منتديات النبع الصافى

منتديات النبع الصافى


 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الثلاثاء أكتوبر 05, 2010 4:57 pm

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :


الإنجيل بحسب ما كتبه القديس يوحنا سفر يناسب الكل، البسطاء والعلماء. كلماته بسيطة للغاية، يقرأه البسطاء فيجدون نفوسهم قريبة منه فيرتاحون، ويغوص فيه أصحاب الخبرات الروحية دون أن ينتهوا إلى سبر غوره[1].
إنجيل يوحنا والكنيسة الأولى

سحب الإنجيل بحسب يوحنا قلب الكنيسة الأولى ليرفعه إلى الأسرار الإلهية الفائقة، بوحي الروح القدس، بأسلوبٍ روحيٍ جذَّاب، بعيدًا عن المصطلحات الفلسفية الصعبة ولغة اللاهوت الجافة.

فيما يلي بعض تعليقات آباء الكنيسة عنه:

v يمكننا أن نتجاسر فنقولأن الأناجيل هي بكر كل الكتب المقدسة، أما بين الأناجيل فإنجيل يوحنا هو البكر.لا يدرك معناه من لم يتكئ على صدر يسوع (يو23:13) ويستلم مريم من يسوع أمًا له أيضًا (يو 27:19)؛ مثل هذا يكون يوحنا آخر، ويظهر له يسوع ذاته كما فعل مع يوحنا. فإذ لم يكن ابن لمريم سوى يسوع، وذلك بالنسبة لمن يقدمون رأيًا صادقًا فيها، وقد قال يسوع لأمه: "هوذا ابنك" (يو ١٩: ٢٦)، ولم يقل: "هذا هو أيضًا ابنك". كأنه يقول: "هوذا يسوع الذي ولدتيه". فإنه بالحق كل إنسان صار كاملاً، لا يحيا هو بل يحيا المسيح فيه (٢ كو ٤: ٧). وإذ يحيا المسيح فيه، يُقال لمريم عنه: "هوذا ابنك" المسيح[2].

العلامة أوريجينوس

v هؤلاء جميعًا (الإنجيليون متى ومرقس ولوقا) ارتفعوا قليلاً عن الأمور التي على الأرض، أي عن تلك الأمور التي صنعها ربنا يسوع المسيح على الأرض، أما عن لاهوته فتحدثوا القليل عنه. كانوا أشبه بأناسٍ ساروا معه على الأرض، وبقي النسر، أي يوحنا، الكارز بالحقائق السامية، والمتأمل بنظرة ثاقبة نحو النور الداخلي الأبدي...

مع هذا فإننا نحن الذين نزحف على الأرض ضعفاء، ونسلك بين البشر بصعوبة، نتجاسر لنتمسك بهذه الأمور ونتفهمها، حاسبين أنفسنا كما لو كنا قد أدركناها عندما نتأمل فيها، أو نتحدث عنها[3].

القديس أغسطينوس

v أما يوحنا المبارك... نراه برغبةٍ ناريةٍ وعقلٍ يرغب في الأمور التي تعلو العقل الإنساني، تجاسر واقترب لكي يشرح الميلاد الفائق الذي لا يُمكن الإحاطة به، أي ميلاد اللَّه الكلمة. فهو يعلم أن "مجد اللَّه إخفاء الأمور"(أم2:25)، والكرامة التي تليق باللَّه تفوق فهمنا وإدراكنا، ومن الصعب أن يدرك أحد أو يشرح صفات الطبيعة الإلهية[4].

القديس كيرلس الكبير

يحقق إنجيل يوحنا بصورة خاصة "ملء" الكتاب المقدس بعينه، وكأنه "مركز" سرّ الكتاب.

يشبه الأب مكسيموس المعترف الكتاب المقدس بالكنيسة المقدسة، وإنجيل يوحنا قدس الأقداس فيها، فيه ندخل إلى أعماق مقدسات الكتاب، ونتعرف على أسراره، ونخترق الحجاب.

بحق يدعوه القديس اكليمنضس السكندري "الإنجيل الروحي"، لأنه يدخل بالنفس إلى التعرف على الأمجاد التي أعدت لها خلال محبة الله الآب، وعمل المسيح الخلاصي، وتعزيات الروح القدس. يرى أن إنجيل يوحنا بمثابة الروح، والأناجيل الثلاثة الأخرى بمثابة الجسد. قدمت الأخيرة الحقائق والوقائع الملموسة في حياة السيد المسيح وخدمته وعمله الخلاصي. وجاء إنجيل يوحنا يفسر ما وراء هذه الأحداث، ويكشف عن أعماقها ومفاهيمها. جاء السفر متناغمًا مع قول السيد المسيح: "ليعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو17: 3).

هو الإنجيل الروحي إذ يرفع المؤمن إلى عالم الروح، ولا يسمح لمؤمنيه أن يبقوا على مستوى المادة، فإذ أشبع الجموع بالخبز فرحوا (26:6)، أما هو فدعاهم إلى الطعام الأبدي (27:6).

في حديثه مع نيقوديموس عن الولادة الجديدة كان فكر نيقوديموس المعلم في إسرائيل حبيس أحشاء أمه، أما السيد المسيح فرفعه لينظر بعيني قلبه أن "المولود من الروح هو روح" (1:3-6).

وفي حديثه مع المرأة السامرية كان فكرها حبيس الدلو المادي وبئر يعقوب وماشيته، فرفع قلبها إلى الينبوع الإلهي حيث يقدم لها ماءً يفجر في داخلها ينابيع مياه حيّة تجري للحياة الأبدية.

إذ بدأ القديس يوحنا الذهبي الفم يعظ على إنجيل يوحنا، تحدث عن القديس يوحنا الإنجيلي وهو يقدم إنجيله مقارنًا بينه وبين الخطباء والممثلين كيف يجتذبون الجماهير بفن الخطابة واستخدام الموسيقى وارتداء قناعات جذابة، أما القديس يوحنا فيتقدم كما على منصة السماء، ليحدث أناسًا صار منهم كثيرون أشبه بالملائكة، ويشتهي أن يصير بقية المستمعين هكذا. إنه لا يستخدم سوي نعمة الله، يتحدث وهو في صحبة السمائيين، مقدمًا لهم رسالة المسيح المفرحة.

v يتقدم أمامنا الآن هذا الرجل: ابن الرعد، حبيب المسيح، عمود الكنائس في كل العالم، الذي يمسك بمفاتيح السماء، الذي شرب كأس المسيح، واعتمد بمعموديته، الذي اتكأ بكل ثقة على صدر سيده… دخل مرتديًا ثوب الجمال غير المدرك. فإنه سيظهر أمامنا مرتديًا المسيح (رو 13: 14؛ غلا3: 27)، منتعلاً في قدميه الجميلتين باستعداد إنجيل السلام (أف 6: 15)، ومتمنطقًا بمنطقة ليست حول خصره بل حول منطقتيه، ليست من جلد قرمزي، ولا مكسوة في الخارج من ذهب، بل منسوجة ومصنوعة من الحق نفسه. الآن يظهر أمامنا لا ليقوم بدور تمثيلي، وإنما برأس دون قناع يعلن الحق مكشوفًا. إنه لا يجعل جمهور المستمعين له يصدقونه بل بالأحرى بالمحفل والنظرات والصوت يحقق رسالته دون أدوات موسيقية مثل القيثارة أو ما يشبهها، إنما يستخدم لسانه، ناطقًا بصوت أعذب من أية قيثارة أو أداة موسيقية وأكثر نفعًا. منصته هي السماء كلها، ومسرحه هو العالم المسكون كله، وفرقته هي كل الملائكة، أما عن المستمعين فهم بشر صار منهم كثيرون ملائكة أو يود أن يصيروا هكذا. فإنه لن يستطيع أن ينصت إليه بانسجام حقيقي إلا الذين صاروا هكذا، مظهرين ذلك بأعمالهم. أما البقية فإنهم كأطفال صغار يسمعون ولا يفهمون… إنهم في طرب ولهو، يعيشون فقط من أجل الثروة والسلطة واللذات الحسية. ما يسمعونه هو حق، ولكنهم في أعمالهم لا يبرزون ما هو عظيم ونبيل خلال إسراعهم نحو الطين لعمل قرميد (طوب)[5].

v لم يعد بعد صياد السمك ابن زبدي، بل ذاك الذي يعرف "أعماق الله" (1 كو 2: 10)، الروح القدس، أقصد أنه يضرب على هذه القيثارة، لذلك ليتنا ننصت إليه، فإنه لا يتحدث معنا بشيء قط كإنسانٍ، إنما ما يقوله سيقوله من أعماق الروح، من الخفيات التي لم يعرفها حتى الملائكة قبل حدوثها، فقد تعلموها بواسطة صوت يوحنا معنا، وبواسطتنا، الأمور التي نحن نعرفها. هذا أيضا أعلنه رسول آخر، قائلاً: "لكي يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين في السماويات بواسطة الكنيسة بحكمة الله المتنوعة" (أف 3: 10). فإن كان الرؤساء والسلاطين والشاروبيم والسيرافيم تعلموا هذا الأمور من الكنيسة، فواضح جدًا أنهم كانوا مشتاقين جدًًا للإصغاء إلى هذا التعليم. في هذا ننال كرامة ليست بقليلة، أن الملائكة تعلموا هذه الأمور التي لم يكونوا يعرفوها قبلاً[6].

القديس يوحنا الذهبي الفم
كاتبه

v كلمة "يوحنا" تعني: "يهوه حنان".

v هو ابن زبدي من بيت صيدا في الجليل، دعاه السيد المسيح مع أخيه الأكبر يعقوب الذي قتله هيرودس أغريباس الأول سنة 44م.

v يبدو أنه كان على جانب من الثراء، إذ كان والده يستخدم أجرى في سفنه (مر10:1)، وكان يوحنا معروفًا لدى رئيس الكهنة (يو16:18). وكانت أمه سالومي سيدة فاضلة تقية تتبع السيد المسيح على الدوام (لو3:Cool، اشتركت مع النساء اللواتي اشترين حنوطًا كثير الثمن لتكفين السيد المسيح، وهي على الأرجح أخت مريم أم يسوع (يو25:19).

v اتخذ مهنة صيد السمك حرفة، وكان هو وأخوه شريكي سمعان في الصيد (لو10:5)، وقد اختار السيد المسيح سمعان وأندراوس ويوحنا ويعقوب كأول تلاميذ له. وإذ كان يوحنا وأخوه حادي الطبع دعاهما "بوانرجس"، أي "ابني الرعد" (مر17:3). وقد صار يوحنا رسول الحب، رقيقًا للغاية؛ جاء إنجيله ورسائله ورؤياه تدور حول "الحب". وبقى يكرز بالحب حتى شيخوخته، وكما يقول القديس جيروم في تفسيره الرسالة إلى أهل غلاطية كان تلاميذه يحملونه على أذرعهم ويذهبون به إلى المنبر لينطق بالكلمات: "يا أولادي أحبوا بعضكم بعضًا. هذه وصية الرب، إذا عملتم بها وحدها فهذا يكفيكم[7]". دُعي "التلميذ الذي كان الرب يحبه"(يو 20:21).

v يقول القديس إيرينيؤس إن يوحنا كان في الخامسة والعشرين من عمره حين دعاه السيد المسيح للعمل.

v يعتبر مع بطرس ويعقوب من التلاميذ الأخصاء الذين انفردوا مع السيد المسيح في كثير من المواقف، مثل التجلي (مت 1:17)، وعند إقامة ابنة يايرس (مر 37:5)، وفي بستان جثسيماني (مت 37:26)، وعندما تنبأ عن خراب الهيكل وأورشليم (مر 13: 3). أمره السيد المسيح مع بطرس أن يعدا الفصح له ولتلاميذه (لو 8:22).

انفرد باتكائهعلى صدر السيدالمسيح(لو 23:13)، وقد رافق السيد حتى الصليب حيث تسلم منه القديسة مريم أمًا له (يو20:19-27).

v بعد صعود السيد اشترك مع القديس بطرس في إقامة الأعرج الذي كان عند باب الهيكل المُلقب بالجميل (أع1:3-6)، وفي الذهاب إلى السامرة لوضع اليد على المؤمنين ليحل الروح القدس عليهم (أع14:8-17).

v حسبه الرسول بولس أحد أعمدة الكنيسة (أع6:15؛ غل9:2).

v كرز في آسيا الصغرى، لاسيما في أفسس، وعُذب في أيام دومتيانوس، ونُفي إلى جزيرة بطمس، حيث تمتع برؤيا يوم الرب "سفر الرؤيا"، وبقي في منفاه حتى تنيح. يقول القديس جيروم أن الرسول يوحنا انتقل في العام ال 68 بعد صعود الرب. وبذلك يكون الرسول قد عاش عامين أم أكثر في القرن الثاني للميلاد. ومعنى هذا أنه عاش إلى ما يقرب المائة عام، حيث أن كان أصغر من الرب بقليل.ويرى البعض أنه تنيححوالي سنة 98م في حكم تراجان (98-117م).

v يروي لنا يوسابيوس القيصري في كتابه "تاريخ الكنيسة[8]" قصة عن القديس يوحنا الرسول في شيخوخته تكشف عن مدى تقديره العجيب لخلاص النفس البشرية وبحثه عنها؛ وقد رواها نقلا عن القديس اكليمنضس السكندري في كتابه "من هو الغني الذي يخلص؟"

جاء عن القديس يوحنا أنه بعد عودته من جزيرة بطمس إلى مدينة أفسس تجوّل في بعض المناطق الوثنية المجاورة، لإقامة أساقفة في بعض الأماكن وتدبير أمور الكنائس، وإذ بلغ مدينة ليست ببعيدة (غالبًا أزمير) سلم أسقفها شابًا وثنيًا قَبِل الإيمان وكان مملوءً غيرة، مؤكدًا عليه أن هذا الشاب هو وديعة بين يديه. وبالفعل اهتم به الأسقف حتى نال سرّ المعمودية. لكن بعض الشبان الفاسدين اجتمعوا به، وأفسدوا حياته في ترفٍ وبذخٍ، وإذ احتاجوا إلى مالٍ صاروا يسرقون، فكان يشترك معهم. انحدر الشاب من جريمة إلى أخرى حتى كوَّن عصابة تحت قيادته يسلبون وينهبون ويسفكون الدماء. وإذ عاد القديس يوحنا إلى المدينة يسأل الأسقف عن الشاب أجابه: "لقد مات... مات عن اللَّه، لأنه عاد إلى شره، وأصبح خليعًا، وأخيرًا صار لصًا، وعوضًا عن الكنيسة صار يلازم الجبال مع عصابة تماثله". لم يحتمل القديس ذلك، بل طلب فرسًا امتطاه رغم شيخوخته، وانطلق إلى الموضع حيث أسره اللصوص، وأتوا به إلى رئيسهم، الذي لما رآه اعتراه الخجل وحاول الهرب. صار القديس يجري وراءه صارخًا: "لماذا تهرب مني؟ أنا أبوك يا ابني، وأنا أعزل، طاعن في السن، وإن لزم الأمر فإنني مستعد أن احتمل الموت عنك، كما احتمل الرب الموت عنا. لأجلك أبذل حياتي. قف، آمن، فإن المسيح أرسلني إليك". للحال خجل الشاب ووقف مطرقًا رأسه نحو الأرض، يبسط ذراعيه في رعدة، وكان يبكي بمرارة. فرح به القديس جدًا، ورجع به إلى الكنيسة، ولم يترك المدينة حتى اطمأن عليه.

v يروي القديس يوحنا كاسيان القصة التالية: [بينما كان الإنجيلي المبارك ذات يوم يداعب صقرًا، إذابشاب أقبل عليه عائدًا من الصيد. فتعجب الشاب وسأل الرسول كيف أن رجلاً عظيمًا مثله يقضي وقته على هذا الحال. وحينئذ سأله الرسول: "ما هذا الذي في يدك؟" فقال الشاب: "إنه قوس". قال الرسول: "ولماذا هو غير مشدود؟" فأجاب: "لأنني لو جعلته مشدودًا على الدوام يفقد مرونته، وهي التي أحتاج إليها حين أطلق السهم". فقال الشيخ: "إذن لا تغضب على يا صديقي الشاب لأني في بعض الأحيان أحل أوتار نفسي، وإلا فقدت قوتها وخانتني في اللحظة التي أحتاج أن أستعملها[9]].

v يحدثنا أيضًا المؤرخ يوسابيوس[10] عن مدى حرصه على الإيمان المستقيم من البدع نقلاً عما جاء عنه في كتابات القديس إيرينيؤس أسقف ليون أن الرسول دخل مرة إلى الحمام ليستحم، وإذ عرف أن المبتدع كيرنثوس (نادى بأن مملكة المسيح أرضية؛ إذ كان محبًا للولائم والعلاقات الدنسة الجسدية) هناك قفز فزعًا، وخرج مسرعًا، لأنه لم يطقْ البقاء معه تحت سقفٍ واحدٍ، ونصح مرافقيه أن يقتدوا به، قائلاً: [لنهرب لئلا يسقط الحمام، لأن كيرنثوس عدو الحق بداخله[11]].

v يحدثنا أيضًا المؤرخ يوسابيوس[12]على لسان أبولونيوس الذي يظن أنه كان أسقفًا على أفسس أن الإنجيلي يوحنا أقام ميتًا في أفسس بمعونة الله.

v يروي لنا العلامة ترتليان[13] أن الإنجيلي يوحنا اُلقي في قزانٍ به زيت مغلي والرب نجاه.
مكان كتابته وتاريخ الكتابة

حسب شهادة القديس إيرينيؤس أسقف ليون (حوالي سنة 177-200م)،وهو تلميذ القديس بوليكربوس، سلّم القديس يوحنا إنجيله لأساقفة آسيا حيث كان مقيمًا معهم إلى عهد الإمبراطور تراجان، وأنه قام بنشره في أفسس[14].

وقد بقي تقليد الكنيسة في الشرق والغرب يأخذ بهذا الرأي دون اعتراض يُذكر. لكن جاء بعض النقاد المحدثين يشككون في نسبة السفر للقديس يوحنا، وبالتالي تشككوا في مكان كتابته وتاريخه.

أما من جهة مكان الكتابة فظن البعض أنه كُتب فيإنطاكياأو سوريا، يعتمدون في ذلك على ما جاء في أعمال أغناطيوسActs of Ignatius[15]، (وهو مُستند لا يُعرف تاريخه)، بأن يوحنا كان مرتبطًا بأنطاكيا. يُرد على ذلك بأن يوحنا كان فيأنطاكيا زمانًا ثم ذهب إلى أفسس واستقر هناك.

ينسب بعض النقاد السِفر إلى الإسكندرية، حجتهم في هذا أن أقدم مخطوطة للسِفر وُجدت في مصر. وأن السفر يحمل طابعًا هيلينيًا يناسب فكر الإسكندرية المتأثرة بفيلونPhilo اليهودي الرمزي السكندري. يُرد على ذلك أن مناخ مصر العلمي جعلها تقتنيه في وقت مبكر وتحتفظ به، ويكون له دوره في حياة كنيستها وآبائها، لكن ليس بالضرورة أن يكون قد كُتب في مصر[16].

أما من جهة اعتراض البعض على كتابته في أفسس، فقد قام الاعتراض على أساسين:

أولاً: أكّد كثير من النقاد المحدثين خلال النصف الأول من القرن العشرين أن أسلوب السِفر غنوسي هيليني، وهو أسلوب لا يوافق القرن الأول الميلادي بل القرن الثاني. لذلك أصروا على أنه حتى وإن كانت أصوله من وضع يوحنا، فإنه قد أُعيد كتابته في القرن الثاني بيدٍ غنوسية في أنطاكية أو الإسكندرية. وجاء اكتشاف مخطوطات البحر الميت سنة 1947م وأيضًا المكتبة الغنوسية الكاملة التي اُكتشفت في تاريخ مقارب بنجع حمادي بصعيد مصر يؤكدان عكس ما أصرّ عليه النقاد. فتراجع الدارسون وشعروا بصدق التقليد الكنسي، وتيقّن غالبيتهم أنه من وضع القرن الأول، غالبًا بيد القديس يوحنا في أفسس. الأمر الذي نعود إليه عند حديثنا عن "إنجيل يوحنا والغنوسية".


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org

كاتب الموضوعرسالة
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:02 am

الصديق المضيء يكون في نهارٍ دائمٍ طول حياته، نهار لا تقطعه ظلمة، وهو يسبحالله سبع مرات، لأنه صار مرتفعًا عن هذا العالم الذي خُلق في ستة أيام.

عندما أبلغ فردوسالله، وأتأمل غاية الخلق وحكمةالله، اعترف أن أحكامالله عدل.

القديس ديديموس الضرير

"كان في العالم،

وكون العالم به،

ولم يعرفه العالم" [10]

يا للعجب إنه خالق العالم بقدرته، وقد نزل إليه ليحل في وسطنا، ويبعث بنوره إلينا وفينا، لكن العالم الشرير رفضه، مفضلاً جهالة الظلمة عن معرفة النور.

إن كان الإنسان قد صار ظلمة فهو بلا عذر، وظلمته ليست من صنع خالقه، إنما هي من فعل إرادته الشريرة الرافضة للنور الحقيقي.

v يقول يوحنا عن المسيح: "كان في العالم، وكوِّن العالم به". بهذا القول يصعد بك إلى فوق أيضًا، إلى ما قبل الدهور، وجود الوحيد، لأنه من يسمع أن به تكوّن هذا العالم كله فإنه حتى وإن كان فاقدًا الحس جدًا، ولو كان عدوًا، ولو كان محاربًا لمجد الله، فسيضطر أن يعترف به طائعًا.

يقول: "ولم يعرفه العالم" إذ أنه يوجد من انحرفوا عن تمييزهم، وقد صرعوا وجنوا جنونًا في أقصى غايته، ويوجد من عرفوه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v "والعالم لم يعرفه"، ليس لأنه غير معروف، وإنما لأن العالم ضعيف. فالابن ينير، لكن الخليقة تبعثر النعمة. لقد أعطى الكلمة للخليقة النظر لكي تدركه كإله بالطبيعة، ولكن الخليقة بددت العطية، وجعلت الكائنات حاجزًا يمنعها عن التأمل في الله، فلم تفكر إلا في ذاتها، ودفنت عطية الاستنارة بالإهمال.

v العالم في الحقيقة مُتهم بعدم الشكر وعدم إدراك خالقه... هذه الحقيقة يعبر عنها النبي، إذ يترنم بخصوص بني إسرائيل: "ونظرت لكي يثمر عنبًا، ولكنه أثمر عنبًا رديئًا وشوكًا" (إش 4:5LXX).

القديس كيرلس الكبير

v ليس العالم الذي خلقه هو الذي لم يعرفه.

ما هو العالم الذي خلقه؟ السماء والأرض.

كيف لم تعرفه السماء هذه التي عند آلامه أظلمت الشمس؟

كيف لم تعرفه الأرض التي تشققت عندما عُلق على الصليب؟

"العالم لم يعرفه"، هذا الذي قيل عن رئيسه: "هوذا رئيس هذا العالم آت، ولا يجد له فيّ شيء" (يو ١٤: ٣٠). يُدعى الأشرار "العالم"؛ يُدعى غير المؤمنين "العالم". أخذوا هذا الاسم من ذاك الذي يحبونه.

بحب الله نصير آلهة، وبحب العالم نصير "العالم". لكن "الله في المسيح مصالحًا العالم لنفسه" (٢ كو ٥: ١٩).

v قدمت كل الأشياء من كل الجوانب شهادة له، ولكن من الذين لم يعرفوه؟ أولئك الذين بسبب محبتهم للعالم دُعوا "العالم"[144].

v خلق العالم به، السماء والأرض وكل ما فيهما. "العالم لم يعرفه"، محبو العالم، ومحتقرو الله، هذا هو العالم الذي لم يعرفه. فالعالم شرير، لأن الذين يفضلون العالم عن الله هم أشرار[145].

v "والعالم لم يعرفه"، ليس العالم الذي قيل عنه: "الله في المسيح مصالحًا العالم فيه" (٢ كو ٥: ١٩).

يوجد عالم شرير، ويوجد عالم صالح. العالم الشرير هم الأشرار الذين في هذا العالم. والعالم الصالح هم كل الصالحين في العالم. هذا ما نلاحظه كثيرًا في الحقل. فنقول: هذا الحقل مملوء بالحنطة، كما نقول أيضًا، ونقول بالحق: هذا الحقل مملوء قشًا. وأيضًا نقول بالنسبة لشجرةٍ ما أنها مملوءة ثمرًا، ويقول آخر عنها إنها مملوءة أوراقًا. وكلٍ من القائل بأنها مملوءة ثمرًا والقائل مملوءة أوراقًا صادقان. فليس امتلاؤها بالأوراق ينزع امتلاءها بالثمار. ولا امتلاؤها بالثمار ينزع كثرة أوراقها[146].

v العالم شرير لأن سكانه أشرار، كما أن البيت شرير ليس بسبب الحوائط وإنما بسبب سكانه[147].

القديس أغسطينوس

"إلى خاصته جاء،

وخاصته لم تقبله" [11].

خلق الله الإنسان لا ليخدمه، فهو ليس بمحتاج إلى خدمة بشرية، لكنه في حبه الفريد للإنسان يريد أن يجعل منه خاصته وأهل بيته. فقد "سار أخنوخ مع الله ولم يوجد، لأن الله أخذه" (تك 5: 24). بينما لا نعلم كيف أخذه، ولا إلى أين ذهب به، لكنه اختطفه ليكون معه على الدوام كأحد أفراد العائلة الإلهية.

يبرز الله حبه الفائق لمؤمنيه، فينسب نفسه إليهم قائلاً: "أنا إله إبراهيم، وإله اسحق، وإله يعقوب". ويكشف موسى النبي عن هذه العلاقة على مستوي الجماعة حيث يحسب الله شعبه نصيبه الشخصي: "إن قسم الرب هو شعبه، يعقوب جبل نصيبه" (تث 32) "إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبًا أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض " (تث 7: 6)، وكثيرًا ما أعلن الأنبياء إن الله اقتنى شعبه لنفسه خاصة.




_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:03 am

وقد جاء الكلمة المتجسد وسط هذه الخاصة، لكن خاصته لم تقبله. كان الرفض جماعيًا من رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين ورؤساء الشعب بل واشترك معهم أحد التلاميذ. وتحقق القول: "يبغضونني بلا سبب" (مز 39: 19؛ 69: 4). لقد صرخوا: "دمه علينا وعلي أولادنا" (مت 27: 25).

v سمع الرب صلوات الأنبياء واهتم الآب ألا يهلك جنسنا، فأرسل ابنه من السماء كشافٍ.يقول أحد الأنبياء:"يأتي بغتة السيد الذي تطلبونه" (ملا 1:3) إلى أين؟"إلى هيكله"! يقول نبيآخر عند سماعه هذا:"على جبلٍ عالٍاصعدي يامبشرة صهيون... قولي لمدن يهوذا". ماذا أقول؟"هوذاإلهك. هوذا السيد الرب بقوة يأتي" (إش 9:40،10).والرب نفسه يقول:"ها أنا ذاآتٍ وأسكن في وسطكم" (زك 10:2).لكن الإسرائيليين رفضوا الخلاص، لهذا"جئت لأجمع كل الأمم والألسنة" (إش 18:66).إذ "جاء إلى خاصته، وخاصته لم تقبله". إنك تجيء، فماذا تهب الأمم؟ "جئت لأجمع كل الأمم والألسنة، وأجعل فيهم آية" (إش 19:66). لأنه متى عُلقت على الصليب أعطي جميع جنودي ختمًا على جباههم[148].

القديس كيرلس الأورشليمي

v تأمل قول يوحنا: "إلى خاصته جاء"، ليس لأجل حاجة المسيح، لأنه مستحيل أن تكون الذات الإلهية محتاجة، لكنه جاء من أجل الإحسان إلى خاصته.

وقد جعل يوحنا ملامة هؤلاء اليهود أشد لذعًا عندما قال: "وخاصته لم تقبله"، ومع أن المسيح هو الذي جاء إليهم لمنفعتهم إلا أنهم رفضوه، ولم يفعلوا به هذا الفعل فقط، لكنهم أخرجوه إلى خارج كرمه وقتلوه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأما كل الذين قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله،

أي المؤمنون باسمه" [12].

إن كان قد جاء إلى خاصته، لكن خاصته لم تقبله، فإنه في وسط هذه الخاصة وجدت قلة قليلة أمينة قبلته. هذه القلة طُردت من المجمع، وحرمت من العبادة في الهيكل، ونُظر إليهم كوثنيين، ليسوا من تلاميذ موسى، ولا هم أبناء لإبراهيم الخ. لم يدرك اليهود أن هذه القلة هي خميرة مقدسة لكنيسة الأبكار في السماء، موضع سرور موسى وتهليل إبراهيم ويعقوب؛ يخدمون الهيكل الجديد، ويتمتعون بمجمع القديسين والسمائيين.

إن كان الرب قد دعي شعبه في القديم "إسرائيل ابني البكر" (خر 4: 22)، فإن هذه الخميرة قد احتلت هذا المركز بصورة فائقة خلال البنوة لله، حيث يصيرون "شركاء الطبيعة الإلهية" (2 بط 1: 4).

v لقد تبنى العبيد وجعلهم اخوة؛ فدى المسببين وجعلهم شركاء في الميراث[149]

v إن كانوا أبناء الله، إن كانوا قد خلصوا بنعمة المخلص، إن كانوا قد أُشتروا بدمه الثمين، إن كانوا قد وُلدوا من الماء والروح، إن كانوا قد عُينوا لميراث السماء، فهم بالحق أولاد الله[150]

v "ورثة الله ووارثون مع المسيح". إنه لا يخشى أن يكون معه شركاء في الميراث، لأن ميراثه لا ينقص إن ناله كثيرون. بل يصير الوارثون أنفسهم ميراثًا له، ويصير هو بدوره ميراثهم. اسمع بأية وسيلة صاروا ميراثه: "الرب قال له: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك" (مز 2: 7، Cool. اسمع بأية وسيلة يصير هو ميراثهم، يقول في المزامير: "الرب نصيب ميراثي، وكأسي" (مز15: 5). لنقتنيه وليقتنينا. ليقتنينا بكونه الرب، ولنقتنيه بكونه الخلاص والنور. ماذا يعطي للذين يقبلونه؟ "أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، الذين يؤمنون باسمه" كي يلتصقوا بالخشبة ويعبروا البحر[151].

v لا تتعجب يا إنسان أنك تصير ابنًا بالنعمة، أن تولد من الله حسب كلمته. فالكلمة نفسه اختار أولاً أن يولد من إنسان لكي تولد أنت من الله حسب الخلاص، فتقول لنفسك: "ليس بدون سبب أراد الله أن يولد من إنسان، لكن لأنه حسبني ذا أهمية ولكي يجعلني خالدًا، من أجلي ولد كإنسان قابل للموت[152]

القديس أغسطينوس

v وأيضًا كما أن المسيح ابن حقيقي فإننا نصير أبناء عندما نقبل الروح القدس. يقول الكتاب: "إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني" (رو15:Cool، وإن كنا بالروح القدس قد صرنا أبناء، فواضح أننا في المسيح دعينا أولاًد الله. "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاًد الله" (يو 12:1).

القديس أثناسيوس الرسولي

v لكن التبني في قوتنا أي "بإرادتنا"، إذ يقول يوحناإن كثيرين"قبلوه،فأعطاهم سلطانًا أن يصيرواأولاد الله، أي المؤمنون باسمه". أيلميكونوا قبل الإيمانأولاد اللُه إنما باختيارهم الإيمان تأهلوا لذلك[153]

v إنه ليس مثلكم أنتم الذين تستنيرون فتصيرون أبناء الله...إذ أنتم أبناء بالتبني كما هو مكتوب:"أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيرواأولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله".حقًاإننا نولد من الماء والروح، لكن المسيح لم يولد من الآب هكذا. إذ في وقت عماد خاطبه قائلاً:"هذا هو ابني" (مت 17:3).لم يقل" صار ابني" بل"هذا هو ابني" معلنًاأنه"ابن" حتى قبل العماد[154].

القديس كيرلس الأورشليمي




_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:04 am

إن سألت: وما الذي ناله أولئك الذين قبلوا المسيح؟ أجبتك: هو قول يوحنا البشير: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله". ويصف البشير تلك العطايا الصالحة للذين قبلوا المسيح وبيَّنها بألفاظ قليلة بقوله: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله". إن كانوا عبيدًا أو أحرارًا أو وثنيين أو حكماء أو غير حكماء، أو نساءً أو صبيانًا، أو شيوخًا، أو أغنياء، أو فقراء أو رؤساء أو عامة، فكلهم قد تأهلوا لكرامة بعينها، فما الذي يكون معادلاً لهذا التعطف على الناس؟

ومع ذلك فإن النعمة لا ينالها الكل، إنما الذين يريدونها، والمجتهدون في امتلاكها، لأن ذلك في سلطان أولئك وُضع لهم أن يصيروا أولادًا، فإن لم يريدوا فلا تتبعهم النعمة ولا تعمل عملاً يخصها، لأن إعطاء النعمة هو من قبل الله، أما قبول الإيمان فهو للإنسان.

v لماذا لم يقل: "جعلهم أبناء الله" بل قال: "أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله"؟ ليظهر أننا محتاجون إلى غيرة عظيمة كي نحفظ صورة البنوة التي انطبعت علينا في العماد، وذلك بأن لا يوجد فينا دنس أو وسخ. وفي نفس الوقت يظهر أنه لا يستطيع أحد أن يأخذ هذا السلطان منا ما لم نحن أولاً نحرم أنفسنا منه… لأنه من وهبنا هذه الكرامة في أيدينا أعظم وأفضل من الكل. وفي نفس الوقت يريد أن يظهر أن النعمة لا تحل على الإنسان بغير إرادته، بل تحل على الذين يرغبون فيها، ويتعبون من أجلها. فإنه في سلطان هؤلاء أن يصيروا أبناءه، حيث أنهم ما لم يختاروا هم ذلك لن تحل النعمة عليهم، ولا يكون لها فاعليتها فيهم[155].

القديس يوحنا الذهبي الفم

"الذين ولدوا ليس من دماءٍ،

ولا من مشيئة جسد،

ولا من مشيئة رجل،

بل من الله" [13].

كان اليهود يطلبون من الأممي لكي يصير دخيلاً أن يمارس ثلاثة أمور: الختان والعماد وتقديم ذبيحة، بهذا يُحسب أنه وُلد من جديد حيث يصير من شعب الله، له حق التمتع بالعهد الإلهي. أما اليهود في مصر فقد أهملوا الختان، ولم يكن ممكنًا لهم الخلاص من عبودية فرعون والتمتع بالميلاد الجديد ما لم يختتنوا ويقدموا دم الفصح، وكأنه يلزم أن يختلط دمهم بدم الحمل ليتقدسوا ويخلصوا ويصيروا مولودين حديثًا. أما وقد جاء ابن الله الوحيد فقدم البنوة لله خلال الميلاد الروحي بالماء والروح.

كشف الإنجيلي يوحنا عن عمل الكلمة في حياة الناس، فقدمه الخالق الذي به كان كل شيء، ثم أوضح أنه هو "الحياة" واهبة الحياة. هذه الحياة الحقيقية تشرق على الإنسان ليتمتع بالنور الصادر من النور الحقيقي. خلال هذه الاستنارة يتمتع الإنسان بإعلان الله ذاته له فيؤمن، هذا الإيمان يرافقه الميلاد الجديد الروحي من الماء والروح. بهذا الميلاد الجديد الذي من الله الروح نصير باكورة الخليقة الجديدة، وخميرة حية تخمر عجين الأمم. "شاء فولدنا بكلمة الحق، لكي نكون باكورة من خلائقه" (يع 1: 18).

إنه ميلاد جديد في نوعه، فهو ليس ثمرة عناصر طبيعية، لأنه ليس من دمٍ. ولا من نتاج غرائز جسدية، لأنه ليس من مشيئة جسد، ولا يتحقق بخطة بشرية، لأنه ليس من مشيئة رجلٍ، إنما هو ميلاد علوي سماوي من الله. إنه ميلاد من الله، ليس للمصدر الطبيعي "الدم" موضع فيه، متحرر من الغرائز الطبيعية ومن القدرات البشرية ومن التخطيط البشري.

جاءت الصيغة في النص اليوناني لكلمة "دماء" بالجمع وليس بالمفرد، لأنه يقصد دماء الآب والأم، وليس يعني "الدم" اليهودي. إذ كان اليهود يفتخرون أنهم من نسل الآباء البطاركة إبراهيم واسحق ويعقوب، دم الجنس المختار.

هذا الميلاد الجديد هو موضع اعتزاز الإنجيلي يوحنا: "انظروا أية محبة أعطانا الله حتى ندعى أولاد الله!" (1 يو 3: 1). "إن علمتم أنه بار هو، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه" (1 يو 2: 29). "نعلم أن كل من ولد من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه والشرير لا يمسه" (1 يو 5: Cool.

v لقد ولدوا من آدم بالضرورة (وليس لهم اختيار في ذلك)... ويولدوا بالمسيح بإرادتهم وبالنعمة.

لا يُلزم البشر أن يولدوا بالمسيح.

إنهم لم يولدوا من آدم لأنهم رغبوا في ذلك. على أي الأحوال كل الذين ولدوا من آدم هم خطاة بالخطية، وكل الذين ولدوا بالمسيح يتبررون ليس بذواتهم بل فيه...

كان الموت عقوبة الخطايا، وفي الرب كانت هبة الرحمة، وليس عقوبة خطية...

لم تكن فيه أية علة لكي يلزم أن يموت، ومع ذلك مات، أما أنت فلديك علّة فهل ترفض الموت؟...

أنت مت في آدم، قم في المسيح، فالاثنان واجبا الأداء لك.

الآن أنت تؤمن بالمسيح، لا ترتد إلى ما هو واجب خلال آدم.

قيود الخطية لن تلحق بك أبديًا، لأن موت ربك المؤقت ذبح موتك الأبدي. نفس الأمر بالنسبة للنعمة أيها الاخوة، وبالنسبة للحق إذ وُعد بهما وأعلنا عنهما[156].

v إذ ينالوا سلطانًا أن يصيروا أبناء الله يولدون من الله. لاحظوا إذن أنهم يولدون من الله "وليس من دماء" مثل ميلادهم الأول، مثل ذاك المولد البائس يصدر عن البِؤس. أما الذين يولدون من الله ماذا كانوا قبلاً؟ مما قد وُلدوا أولاً؟ من دماء، من ارتباط دم الذكر والأنثى، من الاتحاد الجسدي للذكر والأنثى؛ من هذا ولدوا.

مما يولدون الآن؟ من الله.

الميلاد الأول من الذكر والأنثى، والثاني من الله والكنيسة[157]

v لقد وُلدوا، لكنهم وُلدوا من الله. رحم أمهم هو مياه المعمودية[158]

v لا تظنوا أنه أمر عظيم جدًا أن تصيروا أبناء الله، فإنه من أجلكم صار هو ابن الإنسان ذاك الذي هو ابن الله. إن كان قد صار أقل، ذاك الذي كان أكثر، أفلا يستطيع أن يجعل من هذا الأقل الذي هو نحن أن نصير أمرًا أعظم؟

نزل إلينا، أفما نصعد إليه؟

من أجلنا قبل موتنا، أفما يعطينا حياته؟

من أجلكم احتمل شروركم، أفما يعطيكم أموره الصالحة؟[159]

القديس أغسطينوس


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:07 am

يفعل ذلك حتى إذا تأملنا مكانة ولادتنا الأولى، ومذلتها الكائنة بالدماء وبمشيئة الجسد، وعرفنا علو مكانة ولادتنا الثانية بالمعمودية وشرف حسبها الكائنة بالنعمة، سنظهر حينئذ حرصنا العظيم، ونتأهل لعطية من ولدنا، ونظهر في المستقبل غيرة عظيمة، فإنه رعبنا لا يكون بسيطًا أن ندنس ذلك الثوب الجميل بإهمالنا بعد ذلك ومعاصينا، فنُطرح خارج حجال العرس الداخلي مثل العذارى الجاهلات، أو مثل ذاك الذي لم يرتدِ ثوب العرس (مت 25: 22)[160].

القديس يوحنا الذهبي الفم
2. الكلمة صار جسدًا

سرّ الدهور كلها أن الكلمة الإلهي الأزلي صار جسدًا، إذ اتحد اللاهوت بالناسوت، وصار واحدًا منا. من رآه وتلامس معه رأى مجد الابن الوحيد لأبيه كما شهد القديس يوحنا المعمدان بذلك [15]، وتمتع بالنعمة والحق [17].

"والكلمة صار جسدًا، وحل بيننا،

ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب،

مملوء نعمة وحقًا" [14]

يا له من تقديم رائع لأقنوم الكلمة بكونه مع الآب كائن معه من الأزل، وواحد معه في الجوهر، الخالق لكل ما في السماء وعلي الأرض، واهب الحياة، والنور الحقيقي المشرق على الجالسين في الظلمة، يرفعهم فيه لينالوا نعمة التبني لله الآب. الآن لآخر مرة يذكر الإنجيلي اسم "الكلمة" إذ صار جسدًا، فدخل إلى عالم البشر، لا خلال رؤية أو حلم أو كضيف غريب، وإنما كإنسانٍ حقيقيٍ كاملٍ يعيش وسط اخوته الأصاغر. تجسد ليخفي عظمة بهاء لاهوته التي لا تقدر عين بشرية أن تحدق فيه، لكنه خلال هذا السرّ يفتح باب المعرفة والرؤية ليتمتع المؤمن بالبنوة لله والتعرف على الأسرار الإلهية. إنه لا يريدنا أن نقف عند حجاب الجسد ونتجاهل حقيقته، لذا يقول: "طوبي لمن لا يعثر فيّ" (مت 11: 6).

يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم البشرية الساقطة بامرأة زانية، وقد نزل العريس السماوي مختفيًا في الجسد لكي لا تخافه فتهرب منه، بل تلتقي معه وتتمتع بالمصالحة مع الآب، وتقبل الاتحاد مع عريسها السماوي إذ تتعرف على أسراره، وتنطلق معه إلى سمواته.

صار الكلمة إنسانًا ليضم البشر فيه فيتمتعوا بالإعلان الإلهي والمعرفة الإلهية عن اتحاد وقرب واختبار.

من أجلنا أخلى نفسه عن مجده الإلهي المنظور، وكما يقول الرسول بولس: "الذي كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، أخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس" (في 2: 6-7).. هذا الإخلاء لم يسبب تغييرًا في خصائص لاهوته، لأن لاهوته المتحد بناسوته لم يمتزج معه، إنما بتأنسه صار الكلمة إنسانًا كاملاً حقيقيًا وهو العلي الإله السماوي. بهذا فتح لنا بابًا إلى الأقداس السماوية. "فإذ لنا أيها الاخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع، طريقًا كرسه لنا حديثًا حيًا بالحجاب، أي جسده" (عب 10: 19-20).

"ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقًا".

في العبارات السابقة حلق بنا الإنجيلي يوحنا في جو الإلهيات حيث نشعر بالعجز الكامل عن إدراك أسرار الكلمة الإلهي. لكنه لم يتركنا في عجز لئلا نيأس، إذ عاد فأعلن أن هذا الكلمة صار جسدًا، صار قريبًا إلينا جدًا، في متناول يدنا، نراه ونلمسه ونسمعه ونعيش معه، نشاركه حياته.

نتطلع إلى ابن الإنسان فنراه وهو الكلمة الإلهي حمل الصليب فدان الخطية بالجسد، إذ قدمه ذبيحة خطية من أجل خلاص العالم ومجده. نراه على الصليب في ساعة مجده الخفي، حيث حملنا بصليبه إلى حضن أبيه أبناء مقدسين وممجدين، شركاء في الطبيعة الإلهية.

هذا الجسد العجيب المصلوب القائم من الأموات هو سرّ ثبوتنا فيه ومجدنا وحياتنا أبديًا، يقدمه لنا على الدوام خلال سرّ الافخارستيا، خلاصًا من خطايانا وحياة أبدية لمن يتناول منه.

v لنصغ أيها المستمعون إلى الأناجيل المقدسة،إلى يوحنا اللاهوتي، إذ يقول:"في البدء كان الكلمة،والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله". ويكمل قائلاً:"والكلمة صار جسدًا". لأنه ليس حسنًا أن نتعبد لإنسانٍ عاديٍ، ولا أن نقولإن المسيحإله فقط ناكرين ناسوته. لأنهإن كان المسيح هو الله فهذا حق، لكنإن قلناإنه لم يأخذ الطبيعة البشريةيصير الخلاص غريبًا عنا.

إذن لنتعبد له بكونهإله مؤمنين بتأنسه، لأنه لا نفع من القول عنهأنه إنسان وليس الله، أو أي خلاص لنا إن رفضنا الاعتراف ببشريته مع ألوهيته؟

لنعترف بحضوره إذ هو ملك وطبيب. لأن يسوع الملك إذ صار طبيبًا اتزر بكتان ناسوتنا، وشفي ما كان مريضًا.

المعلم الكامل للرُضع صار رضيعًا بينهم (رو20:2)لكي يعطى حكمة للجهلاء. خبز السماء نزل إلى الأرض لكي يطعم الجياع![161]

القديس كيرلس الأورشليمي

v إذ أعلن أن الذين يقبلونه يولدون من الله ويصيرون أولاد الله، أضاف العلة والسبب لهذه الكرامة التي لا ينطق بها. ألا وهي: "الكلمة صار جسدًا" [14]، فقد أخذ السيد صورة عبد.

لقد صار ابن الإنسان الذي هو ابن الله، لكي يجعل أبناء البشر أبناء لله.

فانه إذ يجتمع العالي بالأسفل لا تُهان كرامته، بل يرفع المنحط من انحطاطه الدنيء؛ هذا ما حدث مع الرب.

ليس من شيءٍ قد قلل من طبيعته بتنازله، بل رفعنا نحن الذين كنا على الدوام جالسين في الخزي والظلمة، إلى مجد لا ينطق به.

هكذا إن تحدث ملك باهتمامٍ وحنوٍ مع إنسان فقيرٍ وضيعٍ، فإن هذا لا يمثل عارًا على الملك، بل يتطلع الكل إلى الآخر باهتمام وتقدير[162].

v وإذا سمعت أن "الكلمة صار جسدًا" لا تضطرب ولا تسقط، لأن المسيح لم ينتقل من جوهره إلى الجسد، لأن هذه الأفكار فيها كفر وإلحاد، لكن جوهره بقي على ما هو، فاتخذ على هذه الجهة صورة عبد.

وإن سألت: ولِم استعمل البشير كلمة "صار"؟ أجبتك استعملها لكي يسد بها أفواه أصحاب البدع، لأنه إذ يوجد أناس يقولون إن أعمال تدبير ربنا كلها إنما كانت خيالاً وتوهمًا، لذلك وضع البشير قوله "والكلمة صار جسدًا"، وبهذا أبطل من بداية كلامه تجديفهم، وبيّن أنه اتخذ جسدًا حقيقيًا...

القديس يوحنا الذهبي الفم


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:08 am

"حلّ" أو "سكن"skeenoso باليونانية، وهي تعني إقامة مسكن مؤقت أو خيمة للإيواء. هذا المعنى يناسب ناسوت السيد المسيح، الذي رُمز له بخيمة الاجتماع أو المسكن في العهد القديم. وهو مسكن قابل للموت، لكنه دون أن ينفصل عن لاهوته. كما يُستخدم هذا التعبير في اليونانية عن إقامة مبنى يستخدم في المناسبات والأعياد. فتجسد السيد المسيح حول حياتنا إلى عيدٍ لا ينقطع.

إذ ارتبط قلب الإنسان بالأرض فظن أن سكناه عليها أبديًا، ولم يعد قادرًا على الانطلاق بقلبه وفكره وأحاسيسه خارج حدود الأرض والزمن، أعلن الرب منذ القديم اشتياقه للسكنى في وسطهم، حتى يذوقوا خالق الأرض والسماء، فيشتهون الانطلاق إليه والسكنى معه. ففي أيام موسى "غطت السحابة خيمة الاجتماع، وملأ بهاء الرب المسكن، فلم يقدر موسى أن يدخل خيمة الاجتماع " (خر 40: 34- 35). وفي عصر الأنبياء يعلن الرب: "ترنمي وافرحي يا بنت صهيون، لأني هأنذا آتي وأسكن في وسطك يقول الرب" (زك 2: 10). وفي أرض السبي حيث فقد الشعب أرض الموعد مسكنًا لهم وعدهم الله، لا أن يردهم فحسب ليسكنوا في كنعان، بل يجعل فيهم مسكنًا مقدسًا له، أفضل من الأرض: "ويكون مسكني فوقهم، وأكون لهم إلهًا، ويكونون لي شعبَا" (حز 37: 27).

يصيرون أشبه بتابوت العهد حيث كان الله يعلن عن حضرته على غطائه بين الشاروبين. أما وقد تجسد الكلمة فصار كمن سكن البشرية باتحاد الكلمة بالناسوت، إذ صارت هيكله الجديد، وحل بيننا لنرى مجده، وننعم بالشركة معه. وهكذا فتح لنا تجسده ينبوعًا من النعم لا ينقطع.

v "حل بيننا" حتى نتمكن أن ندنو منه وأن نخاطبه ونتصرف معه بمجاهرة كثيرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ حلّ الكلمة بإخلائه وتجسده بيننا إنما لنختبر قبسًا من مجده، فنشتهي التمتع برؤية المجد الإلهي. هذا ما اختبره المعمدان في لحظات عماد السيد المسيح، فانفتحت عيناه على معرفته له بصورة أروع.

وهذا ما اختبره بطرس ويعقوب ويوحنا على جبل طابور حين تجلى السيد المسيح أمامهم. وقد سجل لنا بطرس الرسول تلك الخبرة: "لأننا لم نتبع خرافات مصنعة، إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنا معاينين عظمته، لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجدًا، إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى: هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء، إذ كنا معه في الجبل المقدس" (2 بط 1: 16-18).

بالصليب والقيامة أعلن مجد حب الرب الفائق للبشرية وشوقه لإقامة الكل من الأموات. وقد عبر سفر إشعياء عن ذلك في حديثه عن العصر المسياني: "يصير المعوج مستقيمًا، والعراقيب سهلاً، فيعلن مجد الرب، ويراه كل بشر معًا، لأن فم الرب تكلم" (إش 40: 4- 5).

أعلن هذا المجد الإلهي الذي لابن الله الوحيد، إذ بالتجسد الإلهي تعرفنا على حب الآب الفريد لابنه كمصدر لتمتعنا نحن بالحب الإلهي. إذ "بهذا ظهرت محبة الله فينا أن الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به "(1 يو 4: 9).

أعلن مجده إذ قدم لنا ابنه الوحيد مصدر النعم والبركات، لكنها تقدم بروح الحق. يغفر خطايانا، لكنه هو يدفع الثمن. يفتح باب السماء، وهو الذي يقدسنا بروحه القدوس لندخل المقادس الإلهية السماوية، بهذا يربط النعمة بالحق.

v ما هذا؟ "رأينا مجده مجدًا كما لوحيدٍ من الآب". ما كان يمكننا أن نراه (المجد) ما لم يُظهر لنا خلال جسد يخفيه ويعيش بيننا...

ولكن ماذا يعني "مجدًا كما لوحيدٍ من الآب"؟ حيث أن كثير من الأنبياء أيضًا قد تمجدوا، مثل موسى وإيليا وإليشع. فإليشع أحاطت به مركبة نارية (2 مل 6: 17)، وإيليا صعد عليها، وبعدهما دانيال والثلاثة فتية وآخرون كثيرون أظهروا عجائب ومُجدوا، وظهرتملائكة للبشر... بل ظهر لهم حتى الشاروبيم والسيرافيم.

يقودنا الإنجيل بعيدًا عن كل هذه، وعنالخليقة، وبهاء العبيد زملائنا ويضعنا أمام ذروة الأمور الصالحة... السيد نفسه، الملك ذاته، الابن الوحيد الأصيل، رب الكل نفسه، رأينا مجده.

تعبير "كما" لا يعني هنا المشابهة أو المقارنة وإنما لفظة تحقيق وتحديد خالٍ من الشك، كأنه قال: "ورأينا مجده مجدًا كما وجب أن يمتلكه ابن وحيد خالص لإله الخليقة كلها وملكها"1.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v كل جسدٍ هو عشب، وكل مجدٍ كزهر العشب. العشب يجف والزهر يسقط... "أما كلمة الله فتبقى إلى الأبد" (إش ٤٠: ٦، ٧LXX؛ ١ بط ١: ٢٤، ٢٥).

لكن لكي يعيننا "الكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا" (يو ١: ١٤).

ماذا يعني "الكلمة صار جسدًا؟ الذهب صار عشبًا. صار عشبًا لكي يحترق. احترق العشب لكن بقي الذهب. في العشب لم يحترق (الذهب)، بل غيَّر العشب. كيف غيره؟ أقامه وأحياه ورفعه إلى السماء، وأقامه عن يمين الآب[163]

v حتى في كونه قد صار ابن الإنسان يختلف عنا كثيرًا. نحن أبناء البشر بشهوة الجسد، هو ابن الإنسان بإيمان بتول.

والدة أي إنسان آخر مهما يكن تحبل باتحاد جسدي؛ وكل أحد يُولد من والدين بشريين: من أبيه وأمه. أما المسيح فوُلد من الروح القدس والعذراء مريم.

جاء إلينا، لكنه لم يفارق ذاته (لاهوته)، نعم من ذاته بكونه الله لن يفارق ذاته، بل أخذ ما هو لطبيعتنا.

جاء إلى ما لم يكن هو عليه، ولم يفقد ما كان عليه.

صار ابن الإنسان، ولم يكف عن أن يبقى ابن الله...

لم يأتِ إلينا كمن يترك الآب. ومن عندنا ذهب لكنه لم يتركنا. وإلينا سيأتي مرة أخرى، لكنه لا يترك الآب[164].

v لكي نقتني (رؤيته) إن كنا لا نقدر بعد أن نرى الله الكلمة، لنسمع "الكلمة صار جسدًا"، ناظرين أننا نحن جسديون، فلنسمع الكلمة المتجسد. فإنه لهذا السبب جاء، ولهذا السبب حمل ضعفنا حتى يمكن أن نقبل كلمات الله القوية الحامل ضعفنا.

بحق قد دُعي "اللبن"، إذ يهب لبنًا للرضع حتى يقدم وجبة الحكمة (اللحم) للناضجين.

لترضع الآن في صبرٍ حتى تُنعش رغبة قلبك المملوءة غيرة...

إذ أن الرضع ليس لهم قوة كافية ليأكلوا لحمًا موضوعًا على المائدة، ماذا تفعل الأم؟ إنها تحول اللحمIncarnat إلى مادة جسمها وتجعل منه لبنًا. إنها تجعل منه ما نستطيع أن نأخذه.

هكذا الكلمة صار جسدًا حتى يمكننا نحن الصغار، الذين بالحق كالرضع بالنسبة للطعام، فننتعش باللبن.

لكن يوجد هنا اختلاف بأن تجعل الأم الطعام يتحول من لحم إلى لبن، والطعام إلى لبن، أما الكلمة الذي سكن بنفسه آخذًا الجسد دون أن يتغير حتى يبدو كنسيجٍ من الاثنين[165]

v أولاً لتدركوا تنازل الله. لتتنازلوا فتكونوا متواضعين لأجل أنفسكم، متطلعين إلى الله الذي تنازل متواضعًا لأجلكم أيضًا وليس لأجل نفسه...

اعترفوا بضعفكم؛ ولترقدوا أمام الطبيب في صبرٍ.

عندما تدركوا تنازله ترتفعوا معه، ليس بأن يرفع نفسه بكونه الكلمة، بل بالأحرى يُدرَكْ منكم أكثر فأكثر...

هو لا يزيد، لكنكم أنتم تتقدمون، فيكون كمن ارتفع معكم...

تطلعوا إلى الشجرة فإنها أولا ضربت جذورها إلى أسفل حتى تنمو إلى فوق. تثبت جذرها السفلي في الأرض لكي ما تمتد بقمتها إلى السماء. هل تبذل جهدًا للنمو إلاَّ من خلال التواضع؟ إذن "ليحلّ المسيح بالإيمان في قلوبكم، وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة... لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أف ٣: ١٧ – ١٩)[166]

v لتؤمن أن في هذا الناسوت أخذ ابن الله طبيعتنا كاملة، أي النفس العاقلة والجسد القابل للموت، بدون خطية. لقد شاركنا ضعفنا، لكنه لم يشاركنه شرنا، حتى بالضعف المشترك معنا يحل رباطات شرنا ويُحضرنا إلى برِّه، شاربًا الموت من كأسنا، ساكبًا الحياة من الذي له[167].

v كان قبل وجود جسده، لقد خلق أمه واختارها هذه التي منها يُجعل به، خلق هذه التي منها يُخلق (حسب الجسد). فلماذا تتعجبون؟ فإني أتحدث إليكم عن الله: "وكان الكلمة الله".

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:08 am

إني أتحدث عن الكلمة، الذي هو ربنا، يحمل شيِئًا ما من التشابه مع كلمة البشر، وإن كانت غير متساوية إلى أبعد الحدود، وليس من وجه للمقارنة. ولكن يوجد شيء ينقل إليكم تلميحًا عن شيءٍ من التشابه. نعم فإن الكلمة التي أنطق بها إليكم كانت في قلبي. لقد جاءت إليكم لكنها لم تفارقني. إنها تبدأ أن تكون فيكم وهي لم تكن فيكم. إنها مستمرة معي عندما خرجت إليكم.

إذن كما أن كلمتي قد جُلبت إلى أجسامكم ولم تفارق قلبي، هكذا الكلمة جاء إلى حواسنا ومع ذلك لم يفارق الآب.

كانت الكلمة معي وجاءت في صوت. كانت كلمة الله مع الآب وجاءت في جسد. لكن هل أستطيع أن أفعل بصوتي ما يستطيع (الله) أن يفعله بجسده؟ فإني لست سيدًا على صوتي عندما يطير. أما هو فليس فقط سيدًا لجسده ليولد ويعيش ويعمل، بل وأيضًا إذ مات أقامه ومجده لدى الآب فهو المركبة الحاملة له والتي بها جاء إلينا[168].

القديس أغسطينوس

v الكلمة صار جسدًا لكي نعبر نحن من الجسد إلى الكلمة. لم يتوقف الكلمة عن أن يبقى على ما كان عليه (الكلمة)، كما لم تُفقد الطبيعة البشرية التي صارت بالميلاد[169].

القديس جيروم

"يوحنا شهد له ونادى قائلاً:

هذا هو الذي قلت عنه أن الذي يأتي بعدي صار قدامي،

لأنه كان قبلي" [15].

إذ بدأ الإنجيلي يوحنا في الكشف عن عمل كلمة الله المتجسد، قدم شهادة القديس يوحنا المعمدان، الذي جاء متأخرًا عنه، لكنه هو كائن قبله وكما قال السيد المسيح: "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (يو 8: 58). ولما كانت هذه الشهادة أساسية، ولها أهميتها القصوى، لذا يقول الإنجيلي: "شهد له ونادى" معبرًا بكلمة "نادى" عن الصراخ بصوتٍ عالٍ للفت النظر إلى ما يعلنه، لأنه يمس حياة البشرية وخلاصها ومجدها.

صراخ الشهادة هذا سبق فقدمته اليصابات والدته حين كان جنينًا في أحشائها وقد تعرف على الكلمة المتجسد في أحشاء القديسة مريم عند زيارتها لأمه. يقول الإنجيلي لوقا: "وامتلأت اليصابات من الروح القدس وصرخت بصوت عظيم، وقالت: مباركة أنتِ في النساء، ومباركة هي ثمرة بطنكِ" (لو 1: 41-42).

دُعي يسوع المسيح ابن العلي (لو ١: ٣٢)، بينما دُعي يوحنا نبي العلي (لو ١: ٦٧). كان يوحنا خادمًا للعهد الجديد، أما يسوع المسيح فهو وسيط العهد الجديد. يوحنا كان رجلاً عظيمًا له اسم عظيم ورسالة عظيمة، وهو الذي هيأ الطريق ليسوع المسيح. يوحنا كسائر الأنبياء يجلس عند قدمي الله ليتعلموا أو ينالوا رؤى. أما المسيح فهو في حضن الآب (أف ٣: ١١).

إنه الصوت الذي يدوي في القفر، ليهيئ الطريق ليسوع المسيح (إش ٤٠: ٣٠).

"لأنه كان قبلي" لأنه هو خالقي وموجدي للحياة. هو الأول، وهو لقب خاص بالله "الأول والآخر" (١ كو ١: ١٧)، إنه أزلي (مي ٥: ٢).

v يقول يوحنا البشير عن يوحنا المعمدان "يوحنا شهد له ونادى قائلاً"، أي أن يوحنا هتف بمجاهرة وبجرأة خلوًا من انقباض.

ولم يقل يوحنا المعمدان عن المسيح إن هذا هو ابن الله الوحيد، الابن الحقيقي، لكنه قال: "هذا هو الذي قلت عنه أن الذي يأتي بعدي صار قدامي، لأنه كان قبلي"، لأنه على مثال أمهات الطيور، إذ أنها لا تعلم أفراخها في الحال ولا في يومٍ واحدٍ الطيران كله، لكنها تخرجها أحيانًا، وأحيانًا تريحها وفي اليوم التالي تطير معها مسافة أكثر من تلك كثيرًا، وعلى هذا المنهج تقتادها إلى العلو الواجب. على هذا المثال كان يوحنا المعمدان، إذ لم يقتد اليهود في الحال إلى الآراء العالية، لكنه علمهم أن يطيروا ويعلوا من الأرض قليلاً قليلاً.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا،

ونعمة فوق نعمة" [16].

يرى كل من القديسين كيرلس الكبير ويوحنا الذهبي الفم وأغسطينوس أن الحديث هنا ليس تكملة لشهادة القديس يوحنا المعمدان، وإنما المتحدث هنا هو الإنجيلي يوحنا. يعلن الإنجيلي أن الذي هو مملوء نعمة وحقًا [14] هو سرّ الملء للكنيسة كلها، وينبوع نعم لا ينقطع، فيض حب يتفجر على الدوام. فمن كمال ملئه اللانهائي يفيض على كنيسته ليتمتع كل عضو فيها بالشركة في الطبيعة الإلهية.

هو مصدر كل النعم، يملأ مخازننا (أم ٨: ٢١). نتقبل منه النعم كما تتقبل مجاري المياه الماء من الينبوع مصدر الماء. العطايا الإلهية هي نعمgrotius أي مجانية (رو ١٢: ٦)، فإذ يسرَّ الآب به لذا يُسر بنا نحن فيه (أف ١: ٦).

"نعمة فوق نعمة" كل نعمة هي وزنة نتقبلها من الله لنتاجر فيها فنربح وزنة أخرى (١ بط ١٤: ١٠).


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:09 am

نعمة فوق نعمة" أي تبقى نعمة الله تفيض علينا بلا توقف.إذ "ليس بكيل يعطي الله الروح" (يو 3: 35). فإن كان المسيح بكونه الكلمة المتجسد قد "سر (الآب) أن يحل كل الملء" (كو 1:19)، إذ هو الوحيد الملء الكلي بلا حدود، فإنه يفيض ليملأ الكل حسب قياس كل أحد. هذا ما عبر عنه الرسول: "فإن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا، وأنتم مملوؤون فيه" (كو 2:9-10)، وأيضا "الذي يملأ الكل في الكل" (أف 1: 23)، "لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أف 3: 19). هذا هو غاية ما نبلغه في المسح يسوع: "إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف 4: 13).

v إن كان هو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسانٍ، فهو إذن قد أنار يوحنا أيضًا الذي أقر واعترف بحق "من ملئه أخذنا" [١٦][170].

v بعد قوله: "من ملئه أخذنا" أضاف "نعمة فوق نعمة" (يو 16:1). لأنه بالنعمة خلص اليهود. يقول الرب: "اخترتكم ليس لأجل كثرة عددكم، وإنما من أجل آبائكم". إن كانوا لم يختاروا بواسطة الله من أجل أعمالهم الصالحة، فواضح أنه بالنعمة نالوا هذه الكرامة. ونحن أيضًا نخلص بالنعمة، لكن ليس بنفس الطريقة، ولا بذات الأهداف، بل بما هو أعظم وأسمى. إذن فالنعمة التي فينا ليست كالنعمة التي لهم. إذ لم يعطَ لنا فقط غفران الخطايا (إذ نحن شركاء معهم لأن الكل أخطأ)، وإنما نلنا أيضًا البرّ والتقديس والبنوة وعطية الروح بصورة أكثر مجدًا، وبفيضٍ[171].

القديس أغسطينوس

v أؤمن أنه موجود قبلي وأكثر كرامة مني مع الآب. وذلك لأني أنا والأنبياء الذين جاءوا قبلي قد قبلوا نعمة إلهية نبوية كبرى وذلك من ملئه، فإن النعمة التي قبلناها منه تخص حرية الإرادة[172].

العلامة أوريجينوس

v ماذا يعني: "ومن ملئه نحن أخذنا" [16]؟… يقول إنه لا يملك العطية بالمشاركة، بل هو نفسه ينبوع ذاته وأصل كل صلاح، الحياة ذاتها، النور ذاته، الحق ذاته، يحتجز في داخله غنى صلاحه، بل يفيض بها على الآخرين، ويبقى بعد هذا الفيض في ملئه، لا ينقص وهو يمد الآخرين، بل على الدوام يفيض ويهب الغير ليشاركوه بركاته، ويبقى في كماله كما هو. ما اقتنيه أنا هو بالمشاركة (أي أقبله من الغير)، لدي نصيب قليل من الكل، كنقطة ماء فقيرة إن قورنت بلجة لا تحد أو بحر بلا حدود. وحتى هذا المثل لا يقدر أن يعبر بالكامل عما نحاول أن نقوله… لنفترض وجود مصدر نار، ومن هذا المصدر أشعلت ربوات المصابيح… ألا تبقي النار كما هي في ملئها حتى بعد أن قدمت ما لها لكل مثل هذا العدد؟ واضح لكل إنسانٍ إن الأمر هكذا[173].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v لقد أعطى الناموس ذاك الذي أعطى النعمة أيضًا، لكنه أرسل الناموس مع عبيد، ونزل بنفسه ليعطي النعمة.

وبأية وسيلة صار البشر تحت الناموس؟ بعدم تحقيقهم للناموس. لأن من يتمم الناموس لا يسقط تحت الناموس، بل يكون مع الناموس، أما الذي تحت الناموس فلا يقوم، بل يكون تحت ضغط الناموس.

إذ صار كل الناس تحت الناموس صاروا بالناموس مذنبين، لذلك صار الناموس فوق رؤوسهم، يظهر خطاياهم ولا ينزعها.

فالناموس يأمر، وواهب الناموس يظهر حنوًا فيما يأمر به الناموس. وإذ يسعى البشر بقوتهم الذاتية أن يتمموا ما يأمر به الناموس سقطوا بسبب تهورهم وعنادهم الجريء، ليس مع الناموس بل تحت الناموس. صاروا مذنبين، لذلك توسلوا طالبين عون مُسَّلم الناموس، وبسبب الشعور بالذنب الذي جاء بالناموس مرض المتكبرون. وصار مرض المتكبرين اعترافًا للمتواضعين

الآن يعترف المرضى بالمرض، فليأتِ الطبيب، ليشفي المرضى.

من هو الطبيب؟ ربنا يسوع المسيح[174]

v ماذا تعني "نعمة فوق نعمة"؟ بالإيمان عاد الله مدافعًا لصالحنا، وإذ كنا غير أهلٍ لغفران خطايانا، ولأننا كنا غير مستحقين نلنا نفعًا عظيمًا هكذا، فدعي ذلك نعمة. ما هي النعمة؟ ما يُعطى مجانًا... وإذ تنال إحسانًا من الله بالحياة بالإيمان تتقبل الخلود كمكافأة والحياة الأبدية. وهذه نعمة[175]!

القديس أغسطينوس

"لأن الناموس بموسى أعطي،

أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" [17].

الناموس في ذاته عطية عظيمة، ونعمة مقدمة من الله، لتهيئ لنعمة الإنجيل. لكن لا وجه للمقارنة بين الظل والحقيقة. يقدم فيضًا من النعم: يغني الفقراء بكنوز السماء، ويعتق العبيد من أسر إبليس، ويحمل المؤمنين على الأيدي الإلهية وسط الضيقات، ويهب معرفة مستمرة للأسرار الإلهية، ويهب قوة عوض الضعف، ويسكب مجده في داخلنا عوض الهوان.قدم لنا الناموس بكل وصاياه وفرائضه ونبواته ظلالاً أو شبه السماويات، أما السيد المسيح فدخل بنا إلى عمق الوصية لنتعرف على خالق السماء نفسه المختفي وراءها. حملنا السيد المسيح فيه لنختبر في عبادتنا بالروح القدس السماويات عينها التي جاء منها، فنحيا بحياته السماوية.

يتساءل العلامة أوريجينوس: إن كان يسوع قد أعلن أنه الحق (يو ١٤: ٦)، فكيف به قد صار الحق؟ ويجيب هكذا:ما وهبه الله من نعم في العهد القديم كانت رموزًا لنعمة العهد الجديد التي هي "الحق". لهذا فإن مجد العهد الجديد أعظم (٢ كو ٣: ١٠). صار اكتشاف النعمة في العهد الجديد أوضح، وتوزيعها بأكثر سخاء. وهكذا نلنا نعمة العهد الجديد عوض نعمة العهد القديم، ليس لأنها تناقضها، بل تحققها في كمالها بسخاء، تنميها إلى الكمال وتثبتها فينا. إذ نتغير إلى الصورة الإلهية من مجدٍ إلى مجدٍ، من درجةٍ إلى درجةٍ أعلى (٢ كو ٣: ١٨). النعمة التي نتقبلها أشبه بختم يشَّكلنا لنحمل أيقونة المسيح التي تزداد فينا وضوحًا (رو ٨: ٢٩) وتجعلنا أيقونة السماويات (١ كو ١٥: ٤٩).

بتمتعنا بالمسيح ننال النعمة والحق، إذ هو مصدر النعم وكنز الحكمة يقدم ذاته لنا نعمة وحقًا نتمتع به.

في العهد القديم نلنا الناموس في جوٍ من الرعب (عب ١٢: ١٨)، أما العهد الجديد فنلناه في جوٍ من النعمة. بالعهد الجديد نتمتع بالوعود الإلهية الواردة في العهد القديم خلال جوٍ من الرحمة والحق، حسب الوعد الإلهي.

هكذا مع تمتعنا بالنعمة وتذوقنا لها نعطش بالأكثر إلى فيضٍ جديدٍ من النعمة، فكل نعمة في داخلنا تنادي نعمة، وتجذبها إلى أعماقنا. فتصير أعماقنا هدفًا لفيضٍ لا ينقطع من النعم الإلهية المتناغمة معًا.

v أُعطيُ الناموس بواسطة خادم، فجعل الناس مذنبين، وجاء العفو من الإمبراطور، وخلص المذنبين[176].

القديس أغسطينوس

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:09 am

على أي الأحوال، يأتي الحق في البشر بيسوع المسيح، كما جاء أن الحق في بولس وفي الرسل بيسوع المسيح. ليس غريبًا أن نقول أنه بالرغم من وجود الحق الواحد، يفيض منه كما لو كان الكثير من الحقوق. على أي الأحوال يعرف داود النبي كثرة من الحقوقtruths إذ يقول: "يطلب الرب الحقوق" (مز ٣٠: ٢٤). فإن أب الحق لا يطلب حقًا واحدًا بل حقوقًا كثيرة لكي يخلص الذين يملكونها[177]

العلامة أوريجينوس

v عظيم هو الفارق بينهما، فمن جانب الكلمتان "قد أُعطي" تُنسب إلىشيء يُخدم حينما يستلمه شخص من آخر يُعطي أمرًا بإعطائه إياه، ومن الجانب الآخر فإن "النعمة والحق قد صارا" تناسب ملكًا له سلطان غافر للخطايا ويقوم بنفسه بتقديم الهبة[178]

v عندما كانت حرب عماليق في جبل سيناء استعانت يدا موسى بهرون وهور الواقفين بجواره (خر 17: 12)، أما عندما جاء المسيح فبسط يديه على الصليب بنفسه. ألا تلاحظون كيف أن الناموس أعطي، أما الحق فجاء؟[179]

القديس يوحنا الذهبي الفم

"الله لم يره أحد قط،

الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر" [18].

ينظر إلى هذه العبارة بأنها ختام مقدمة إنجيل يوحنا، إن جاز لنا ذلك، والتي جاءت تقدم لنا الكلمة الإلهي بكونه الاقنوم الإلهي الواحد مع الآب في الجوهر وقد صار جسدًا من أجلنا. هنا يربط بين هاتين الحقيقتين: إنه الكلمة الأزلي، وأنه صار إنسانًا حقيقيًا من أجل بني البشر.

بكونه الكلمة الحقيقي والابن الوحيد الجنس، فإنه وحده يرى الآب رؤية الواحد معه في ذات الجوهر. لا يضارعه في هذا كائن ما على الأرض أو في السماء. ليس من مجال للمقارنة بينه وبين إبراهيم أب الآباء أو موسى مستلم الشريعة أو غيره من الأنبياء، ولا وجه للمقارنة بينه وبين أية طغمة سماوية.

موسى العظيم في الأنبياء رأى شبه الله (عد ١٢: ٨) لكنه لم يستطع أن يرى وجهه (خر ٣٣: ٢٠).

إنه الابن الوحيد الحقيقي القائم بذاته في حضن الآب، أي في أعماقه لن ينفصل قط عنه، موضع سروره، قادر أن يعلن عنه ويكشف عن أسراره الإلهية وخطته الفائقة.هكذا نلنا في المسيح إعلانًا واضحًا عن الآب الذي لم يره أحد قط. هذه هي النعمة، وهذا هو الحق الإلهي الذي صار لنا في المسيح، وهي "المعرفة".

الله روح، فلا يقدر الجسد على معاينته، لذا تجسد الابن ليهبنا الميلاد الجديد الروحي فنرى ذاك الذي لا يُرى (عب ١١: ٢٧)، ونحيا به. هو وحده يفتح الختوم (رؤ ٥: ٩) لنتعرف على أسرار الله.

v "الله لم يره أحد قط".

ماذا عن إعلانات العهد القديم؟ فما الذي نقوله لصوت إشعياء العظيم القائل: رأيت السيد جالسًا على كرسيٍ عالٍ ومرتفعٍ وأذياله تملأ الهيكل" (إش 6: ا)؟

وما الذي نقوله لدانيال الذي قال: "كنت أرى أنه وُضعت عروش وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار وبكراته نار متقدة" (دا 7: 9)؟

ويعقوب من هذا المنظر تسلم لقبه، إذ دعي إسرائيل، لأن معنى إسرائيل هو الناظر إلى إلهه (تك 32: 28)؟

وما الذي نقوله لموسى القائل بنفسه للرب: "أرني مجدك" (خر 33: 18)؟

آخرون كثيرون قد أبصروا الله، فما غرض يوحنا من قوله: "الله لم يره أحد قط"؟ غرض يوحنا هنا هو: أن تلك المعاينات كانت مناسبة لنزول الله وظهوره، وليست مناسبة لجوهره، لأنهم لو كانوا قد أبصروا طبيعة الله بعينها لما كانوا أبصروها، لأن طبيعته بسيطة مستحيل أن تكون ذات شكل، فطبيعة الله لا تجلس ولا تقوم ولا تمشي، لأن هذه كلها خواص أجسام.

يعلن القديس يوحنا أن كل هذه كانت أمثلة عن تنازله وليست رؤية الجوهر ذاته[180]

القديس يوحنا الذهبي الفم

v رب قائل يعترض:إن كان جوهر اللاهوت لا يقع تحت الحواس، فلماذا نتحدث في هذه الأمور؟

نعم، هل لأني لاأستطيعأن أشرب النهر كله يكون هذا سببًا في ألاأستقي منه باعتدال قدر ما يناسبني؟!

هل لأن عيني تعجزان عن استيعاب أشعة الشمس في كمالها لاأنظرإليها قدر ما احتاج؟!

وإذا دخلت حديقة عظيمة ولم أقدرأنآكل كل ثمارها هل تريد منيأنأخرج منها جائعًا؟!

إذن لأسبح اللٌه خالقنا وأمجده، إذ وُهبت لنا وصيةإلهية تقول:"كل نسمة فلتسبح الرب" (مز 6:5).

إننيأسعى الآن لأقوم بتمجيده دونأنأصفه، عالمًا أنه بالرغم من عجزي عن القيام بتمجيده حسبما يستحق، لكن حتى هذا السعي هومن الأعمال التقوية. ويشجع الرب يسوع ضعفي بقوله:"اللٌه لم يرهأحد في أي زمان[181]".

v يستحيل عليناأن نتطلع إلى اللٌه بأعين بشرية، لأن غير الجسدي لا يقع تحت الأعين الجسدية. وقد شهد الابن الوحيد، ابن اللٌه نفسه، قائلاً:"اللٌه لم يرهأحد في أي زمان".فإن فهمأحد مما ورد في حزقيالأنه رأى اللٌه (حز 28: 1)، فإنه ماذا يقول الكتاب المقدس؟إنه رأى"شبه مجد اللٌه"، وليس الرب ذاته كما هو في حقيقته بل شبه مجده.فإن كانت رؤية شبه المجد تملأ الأنبياء رعدة، فبالتأكيدإنحاولأحد رؤية اللٌه ذاته يموت، وذلك كالقول:"الإنسان لا يرى وجهي ويعيش" (خر 20:33"لا يراني ويعيش").من أجل هذا فإن اللّه بحنو رحمته بسط السماوات أمام لاهوته لكي لا نهلك. لستأقول هذا من عندي بل هو قول النبي: "ليتك تشق السماوات وتنزل من حضرتك تتزلزل الجبال"(وتذوب إش 1:64).

لماذا تتعجب من سقوط دانيال عند رؤيته شبه المجد، إن كان دانيال عند رؤيته جبرائيل، الذي هو ليس إلا مجرد خادم اللّه، ارتعب للحال وسقط على وجهه ولم يجسر النبيأن يجيبه بالرغم من أن الملاك نفسه جاء على شبه ابن بشر؟ (راجع دا 9:10،16،18).إن كان ظهور جبرائيلأرعب الأنبياء، فهل يرى الإنسان اللّه كما هو ولايموت؟![182]

القديس كيرلس الأورشليمي


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:10 am

قوله: "الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب" يعني أن سلطان الابن مساو لسلطان الآب، لأن الآب الأزلي ما حاز في حضنه جوهرًا غير جوهره، وهذا القول يدلنا على اتفاق الابن مع أبيه في أزليته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v الذي يرى هو أيضًا يخبر. لكن لا يخبر بكل عظمة من يراه، ولا بكل ما يعرفه، إنما قدر ما يحتمل القابلون للموت (البشر) أن يقبلوا[183].

القديس جيروم
شهود للكلمة المتجسد

بعد هذا الحديث الرائع عنالكلمة المتجسد واهب النعمة يقدم لنا الإنجيلي في بقية الأصحاح الأول الشهادةلشخص ربنا يسوع المسيح:

في اليوم الأول [19-28]: يشهد يوحنا المعمدان أمام الكهنة واللاويين.

في اليوم الثاني [29-34]: يشهد عند رؤيته ليسوع.

في اليوم الثالث [35-39] يشهد يوحنا المعمدان أمام تلميذين من تلاميذه.

في اليوم الرابع [40-42] يشهد أندراوس أمام سمعان.

في اليوم الخامس [43-51] يشهد فيلبس أمام نثنائيل.

في اليوم السادس: الشهادة العملية بتحويل الماء إلى خمر (ص 2).

ويلاحظ في هذه الشهادة خلال الأسبوع الأول غالبًا بعد عودته من البرية بعد التجربة مباشرة الآتي:

أولاً: يماثل ما ورد في بدء الخلقة حيث وُجد العالم في ستة أيام واستراح الله في اليوم السابع، هكذا عند تجديد خلقة الإنسان ينتهي الأسبوع حيث يحوّل السيد المسيح الماء إلى خمر ليجد الكل فرحهم في تجديد حياتهم.

ثانيًا: بدأ سفر التكوين بعبارة: "في البدء خلق الله..." ليشير إلى بدء ما قبل وجود الزمن، حيث لم يكن قد خلق الشمس والقمر والكواكب، فلم يكن بعد أزمنة وفصول وأيام (24 ساعة،) بل هي حقبات زمنية مهما بلغ طولها دُعيت أيامًا. هكذا بدأ إنجيل يوحنا بذات العبارة: "في البدء"، لكنه البدء الأزلي حيث لا بداية له، إنها الأزلية حيث اللوغوس الذي هو واحد مع الآب.
3. شهادة يوحنا المعمدان له

دُعي القديس يوحنا المعمدان رسولاً أو ملاك الله (ملا ٣: ١). لم يذكر عنه الكتاب أنه صنع معجزة ما، ولا أنه رأى رؤى وإعلانات إلهية، لكنه شهد للحق، وجذب الكثيرين للتوبة بحياته الجادة الصارمة مع طهارة وعفة ووضوح الهدف. كان يشتهي خلاص العالم، ونمو ملكوت الله على الأرض، فشهد للمخلص الملك الحقيقي.

لم يكن النور محتاجًا إلى من يشهد له، فهو شاهد لنفسه بنوره، لكن إذ أغلق الإنسان عينيه وصمم أن يفسد قلبه بالشهوات والعصيان أصيب بعمى، لذلك صار في حاجة إلى من يحثه شاهدًا للنور الحقيقي. كان يوحنا كحارس الليل يعلن أن نور الصباح قد أشرق حتى يستيقظ النائمون ويفتحون أعينهم لمشاهدة النور.

جاء يوحنا يعلن أن المسيا الذي طال انتظار المؤمنين لمجيئه قد جاء فعلاً، مخلصًا لكل العالم، وواهبًا المجد لشعبه إسرائيل الجديد.

السيد المسيح هو النور الحقيقي، أما يوحنا فلم يكن بالنور الباطل أو الغاش، إنما المصباح الحامل لنور المسيح فيه. لم يكن العريس الحقيقي، لكنه ليس بمن يغتصب العروس، إنما صديق العريس الذي يفرح بعرسه واتحاده بالعروس.

تمتع يوحنا بمعرفة أعمق عند عماد السيد المسيح وظهور الثالوث القدوس. أعلن يوحنا عن السيد المسيح أنه حمل الله الذبيح (29؛ خر12؛ إش7:53؛1 بط 19:1).

"وهذه هي شهادة يوحنا

حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه:

من أنت" [19].

هذه هي المرة الثالثة في هذا الأصحاح يقدم الإنجيلي يوحنا المعمدان شاهدًا (1: 7،15،19-34). لم يلتفت الإنجيلي إلى شخصية المعمدان، وإنما إلى شهادته، إذ يحصر التقليد الرسولي ظهور السيد المسيح وعمله منذ معمودية المعمدان إلى يوم صعوده (أع 1: 21- 22؛ 10: 37-38؛13: 23-24).

أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين" [9]؛ جاء تعبير "اليهود" في هذا السفر غالبًا ما يشير إلى مجمع السنهدرين بكونه الهيئة العليا للرئاسة الدينية. فقد شكل المجمع لجنة لتقصي حقيقة شخصية يسوع وتقييم أعماله وشعبيته. وهم في هذا يحسبون أنفسهم أنهم يتممون وصية من صُلب الناموس، مع أنهم كانوا غير مخلصين في أعماقهم. تحقق فيهم القول: :وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلامًا لم أوصه أن يتكلم به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي" (تث 18: 20).

هؤلاء الكهنة واللاويون المذكورون هنا غالبًا ما كانوا أعضاء في مجمع السنهدرين، على مستوى عالٍ في العلم والثقافة، وأصحاب سلطة ونفوذ. لما كان يوحنا المعمدان نفسه من نسل هرون، إذ كان والده كاهنًا لذا لفحص قضيته وخدمته لاق أن يُرسل إليه كهنة ولاويون (وهم من الكتبة والفريسيين من سبط لاوي، لكنهم ليسوا من عشيرة هرون بالذات).

أرسلوا إليه لا ليتحققوا من رسالته فيتجاوبوا معه، لأنهم يحسبون أنفسهم القادة العظماء للشعب. لكنهم أرادوا التعرف عليه من قبيل حب الاستطلاع، أو من قبيل ممارسة السلطة كأصحاب سلطان يشعرون بالمسئولية أن يكشفوا عن حقيقة شخص مثل هذا للشعب، إن كان ذلك وفقًا لمصالحهم. ولعلهم فعلوا هذا ليجدوا فيه علة، فيكتموا هذا الصوت الذي صدر من مصدر آخر غير السنهدرين صاحب السلطة العليا في الأمور الدينية.

سُئل القديس يوحنا المعمدان من السلطات الدينية اليهودية: "من أنت؟" (19، 22). أوضح أنه ليس المسيا، ولا إيليا (2 مل 11:2)، ولا النبي المخلص (تث 15:18). أعلن أنه مجرد "صوت" (إش 40:3)، يتنبأ عن مجيء المسيا [23]. عندئذ سألته السلطات: "إن كنت لا تحتل مركزًا رسميًا في الخدمة فلماذا تعمد؟" كانت أجابته أن عماده ليس غاية في ذاته، بل تهيئة لعمل روحي أعظم يحققه ذاك الذي يأتي بعده وهو كائن قبله، وأن يوحنا غير مستحق أن ينحني ليحل سيور حذائه.

v أرسلوا كهنة ولاويين من أورشليم، وهم أوفر كرامة من غيرهم...

وإن سألت: لماذا سأل اليهود يوحنا المعمدان هذا السؤال: "من أنت؟" أجيبك... لقد ظنوا أن خضوع يوحنا للمسيح شيء لا مبرر له، لأن أمورًا كثيرة كانت تُظهر يوحنا عندهم بهيًا جليلاً، أولها جنسه وجلالته وظهور شرفه، لأنه كان ابنًا لرئيس كهنتهم، ثم طعامه وصعوبة طريقته، وإعراضه عن الممتلكات الإنسانية كلها، ولأنه كان مهوبًا بثوبه ومائدته وسكنه وطعامه بعينه، فقد أقام زمانه السالف في البرية. وجميع ما أبصروه في المسيح كان يخالف ذلك، لأن جنس المسيح كان عندهم حقيرًا، إذ قد هاجموه مرارًا قائلين: "أليس هذا ابن النجار؟ أليست أمه تدعى مريم واخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا" (مت 13: 55)، وكان التعيير يتجه نحو الموضع المظنون أنه وطنه على ما ذكر نثنائيل: "أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟" (يو ا: 46). علاوة على أنه ما كان على حقويه منطقة جلد، ولا كان لباسه من وبر الإبل، ولا أكل عسلاً وجرادًا، لكنه كان تدبير حياته يشبه كل الحاضرين، وقد حضر في مجالس شرب مع أناس أشرار وعشارين ليستميلهم إليه. هذا الذي فعله المسيح لم يفهمه اليهود، فعيروه لأجل هذه الأفعال، وقد قيل: "جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فيقولون هوذا إنسان أكول وشريب خمر، محب للعشارين والخطاة، والحكمة تبررت من بنيها" (مت 11: 19).

القديس يوحنا الذهبي الفم




_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:11 am

بينما كان الرعاة يحرسون قطيعهم وجدوا "حمل الله"، الذي جزّته البهية والطاهرة كانت مبللة بندى السماء، بينما كانت كل الأرض بجانبه جافة (قض 37:6). هذا الذي إذ يُرش دمه على قوائم الأبواب يطرد مُهلك مصر (خر 21:12-23)، وينزع خطايا العالم[184].

القديس جيروم

"فاعترف ولم ينكر،

وأقر أني لست أنا المسيح" [20].

من الجانب السلبي أكّد القديس يوحنا أنه ليس بهذه العظمة، فهو ليس بالمسيح المنتظر. إنه لن يقبل أن يسلب المسيح مركزه أو كرامته.كان يوحنا المعمدان مهوبًا، فظنه البعض أنه المسيا. "وإذ كان الشعب ينتظر والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا لعله المسيح…" (لو 3: 15). لهذا أسرع يوحنا يؤكد بطلان الإشاعات، معلنًا أنه ليس المسيح.

v كان سمو يوحنا عظيمًا جدًا حتى ظن الناس أنه المسيح، وفي هذا قدم برهانًا على تواضعه، إذ قال إنه ليس المسيح[185].

v بينما كانوا يترجون مجيئه، إذ صار حاضرًا قاوموه وتعثّروا فيه كما بحجر منخفض. إذ كان لا يزال حجرًا صغيرًا، قُطع بالحق من جبل بدون يدين، كما يقول دانيال النبي، أنه رأى حجرًا مقطوعًا من الجبل بدون يدين، كما يقول دانيال النبي، أنه رأى حجرًا مقطوعًا من الجبل بدون يدين (دا 2: 34-35)... لم يرَ اليهود العميان الحجر الأسفل، لكن يا لعظم عماهم أنهم لا يرون الجبل[186].

القديس أغسطينوس

"فأسالوه: إذًا ماذا؟

إيليا أنت؟

فقال: لست أنا.

ألنبي أنت؟

فأجاب: لا" [21].

أعلن أنه ليس بإيليا النبي، وإن كان قد حمل روحه الناري الذي يهيئ الطريق للمسيا (لو ١: ١٧). لذلك قال السيد المسيح أن إيليا جاء ولم يعرفوه (مت ١٧: ١٢). لكنه ليس إيليا حسبما كان يفكر اليهود. فقد كانوا يتوقعون نزوله بالمركبة النارية التي صعد بها إلى السماء، وأنه يقدم لليهود امتيازات مادية أرضية معينة. وأنه ليس النبي الذي تنبأ عنه موسى النبي (تث ١٨: ١٥، ١٨)، ولا أيضًا كأحد أنبياء العهد القديم الذين انشغلوا بأمور إسرائيل وتصحيح أوضاعهم السياسية.

v لو أنه قال: "أنا إيليا" يكون ذلك بمعنى أن المسيح قادم فعلاً في مجيئه الثاني للدينونة، وليس في مجيئه الأول ليُحاكم... لقد جاء كرمزٍ (لو 1: 17) حيث يأتي فيما بعد إيليا بشخصه اللائق به، أما الآن ففي شبهه جاء يوحنا[187].

القديس أغسطينوس

v لم يقولوا ليوحنا: أنبي أنت؟ أي هل أنت واحد من الأنبياء؟ لكنهم سألوه قائلين "ألنبي أنت؟" بإضافة أداة التعريف. بمعنى هل أنت النبي الذي سبق موسى فأخبر عنه (تث 18: 15)؟ أنكر هذا المعنى، ولم ينكر أنه نبي، لكنه أنكر أنه هو ذاك النبي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فقالوا له: من أنت لنعطي جوابًا للذين أرسلونا؟

ماذا تقول عن نفسك" [22].

سألوه أن يجيبهم من هو لا لكي يؤمنوا به، أو يطلبوا العماد منه، وإنما لمجرد تقديم إجابة لمرسليهم. كانوا يتوقعون منه أن ينالوا إجابة واضحة، خاصة وأنه قد حمل ملامح الجدية والصراحة، وقد كان.

v لاحظوا كيف يضغطون عليه بأكثر عنف ليحثوه على الإجابة، مكررين أسئلتهم دون توقف، أما هو فبلطفٍ أزال عنهم المفاهيم الخاطئة بخصوص شخصه، ليقدم لهم ما هو حقيقي[188].

القديس يوحنا الذهبي الفم

"قال: أنا صوت صارخ في البرية،

قوَّموا طريق الرب كما قال إشعياء النبي" [23].

جاء صريحًا في إجابته فنطق بالحق، موضحًا أنه جاء يتمم ما ورد في الكتب، وأنه يحمل سلطانًا إلهيًا كسابقٍ للمسيح، يهيئ له الطريق.

تحدث القديس يوحنا المعمدان عن نفسه أنه الصوت الصارخ في البرية (إش ٤٠: ٣–٤). وحين شهد عن المسيح "صرخ" [١٥]. فماذا يعني بالصراخ. إنه لا يعني الصوت الخارجي المرتفع أو الصياح، لكنه يتكلم مع الله والناس بلغة الروح التي يسمعها الله حتى وإن صمت اللسان، والتي تخترق قلوب الناس. لقد اعتمد السيد المسيح نفسه شهادة يوحنا المعمدان أنها حق. إذ يقول: "الذي يشهد لي هو آخر، وأنا أعلم أن شهادته التي يشهدها لي هي حق. أنتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق" (يو 5: 32-33).

v إن كان الصوت العقلي للذين يصلون يلزم ألا يكون عاليًا بمبالغة، إلاَّ أنه ليس ضعيفًا، ويليق بهم ألا يرفعوا صرخة أو صيحة، فإن الله يسمع الذين يصلون هكذا.

إنه يقول لموسى: "لماذا تصرخ إليَّ"؟ (خر ١٤: ١٥) بينما لم يصرخ بصوت عالٍ (إذ لم يُذكر ذلك في سفر الخروج)، وإنما خلال الصلاة صرخ بصوت عالٍ بذاك الصوت الذي يسمعه الله وحده.

ولهذا يقول أيضًا داود: "أنا صرخت إلى الرب بصوتي، والرب سمع لي" (مز ٧٦: ٢)[189].

العلامة أوريجينوس

يرى العلامة أوريجينوس أن البرية هنا تشير إلى النفوس الرافضة لله وللفضيلة، فقد عرف القديس يوحنا أن يتحدث إلى قلوبهم كما بصرخة الروح.

v جاء في الأمثال: "لا تمل يمينًا أو يسارًا" (أم ٤: ٢٧). فمن يميل إلى أحد الجانبين يفقد الاستقامة، ولا يعود يتأهل للرعاية الإلهية عندما يتعدى استقامة الطريق. فإن الرب عادل ويحب العدل، ووجهه يتطلع إلى الاستقامة (مز ١٠: ٧) وما ينظره ينيره[190].

العلامة أوريجينوس

v إذ قال يوحنا المعمدان في المسيح وصفًا عظيمًا عاليًا التجأ في الحال إلى إشعياء النبي، جاعلاً قوله بهذا الوجه مؤهلاً لتصديقه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v كما أن الصوت يختلف عن الكلمة (الكلام) عندنا، فأحيانًا يمكن أن يصدر صوت بلا معنى بدون كلام، ويمكن أيضًا أن يُعلن الكلام للذهن دون صوت كما يحدث عندما نتأمل في داخلنا، هكذا يوحنا الذي يشبه الصوت في علاقته بالمسيح الذي هو الكلمة، فهو يختلف عن المخلص الذي من جانب معين هو الكلمة[191].

العلامة أوريجينوس

v جعل المذيع الناس يقفون خلف الديان، ودعا يوحنا الديان (ليأتي). نعم بالحقيقة يدعو يوحنا البشرية لذاك المتواضع حتى لا يختبروا ما سيكون عليه كديّان ممجد[192].

القديس أغسطينوس

v تهدى العروس المديح العريس: "حلقه حلاوة وكله مُشتهيات" (نش 16:5). نفس هذه الكلمات كالآتي: يوجد الحلق أسفل الذقن ويصدر الصوت من القصبة الهوائية والحنجرة بواسطة حركة الهواء. بما أن كلمات العريس لذيذة مثل العسل في حلاوتها، فصوته هو عضو الكلمة. وصوته الذي يصدر من الحلق قد يطلق عليه راعٍ ومُفسر للكلمة التي يتكلمها السيد المسيح. وسوف نتمكن من فهم حلق العريس بهذه الطريقة (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). عندما سُئل يوحنا المعمدان: من أنت؟ قال: "أنا صوت صارخ في البرية" (يو 23:1). يقدم الرسول بولس برهانًا على أن السيد المسيح يتكلم بداخله وبواسطته أصبح صوته عذبًا (2 كو 23:13). قدم جميع الأنبياء أنفسهم كأعضاء الصوت للروح القدس وأصبحت أصواتهم عذبة بتثبيت العسل المقدس في حناجرهم. يأكل الملوك والشعوب العسل لما له من فوائد صحية. ولا يقلل التمتع بأكله الرغبة في الاستزادة منه. لذلك تُسمى العروس عريسها "أنه هو كله المرغوب فيه دائمًا" ويعتبر هذا تعبيرًا عن من تبحث عنه. كم هي نعمة عظيمة لأرجل العريس التي تجعله مرغوبًا فيه بشدة. فأرجله كاملة في كل شيء خيّر وتتكون هيئته وجمالها المرغوب فيه من جميع أعضاؤه. فهو مرغوب فيه ليس فقط من أجل عيونه ويداه وخصلات شعره بل أيضا من أجل قدميه ورجليه وحنجرته. فلكل عضو من الأعضاء أهميته الخاصة ولا يقلل من هذه الأهمية ارتفاع أهمية أحد الأعضاء على الأعضاء الأخرى[193].

القديس غريغوريوس النيسي




_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:11 am

"وكان المرسلون من الفريسيين" [24].

"فسألوه وقالوا له:

فما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي؟" [25].

كان العماد شائعًا جدًا بين اليهود حيث كانوا يعمدون الداخلين إلى الإيمان اليهودي لكي يتمتع الدخيل بكمال الحقوق التي للمؤمن.لهذا حمل هذا السؤال خبثا، فقد أرادوا أن يصطادوه. لأنه إذ يعمد اليهود القادمين بالتوبة يكون قد تعامل معهم كمن هم من الأمم الوثنيين. ففي معموديتهم إنكار أنهم شعب مختار طاهر، وكأن عمادهم إهانة إلى قدسية الأمة ككل، وإلى كرامة اليهود كشعب الله المختار، وإلى السلطات الدينية كأنها عاجزة عن تحقيق قدسية الشعب. ومن جانب آخر خشوا إن تكون معموديته مسيانية، خاصة بالمسيا المنتظر، يجريها إنسان ليس عضوًا في الهيئة الكهنوتية أو الفريسية، فيكون كمن سحب سلطانهم واعتزل عنهم.

v ألا ترون أنهم ليس بدون سبب أرادوا أن يصلوا به إلى هذا (أن يكف عن العماد أو يدعي أنه هو المسيح)؟ أما لماذا لم يقولوا هذا من البداية فقد خشوا لئلا يكتشفهم كل الناس[194].

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أجابهم يوحنا قائلاً:

أنا أعمد بماء،

ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه" [26].

بحكمة سماوية وبشهادة حق أعلن لهم: "ما بالكم تنشغلون بمعموديتي؟ إنها كلا شيء إن قورنت بمعمودية تتحقق على الأبواب. معموديتي تهيئة لما هو أعظم: معمودية المسيا المنتظر، وقد جاء الوقت وحلّ بينكم وأنتم لا تعرفونه، وهذه هي خطيتكم. أود ألا تنشغلوا بي ولا بمعموديتي، بل بمن أشهد له ولمعموديته!" هكذا بروح إيليا الناري الذي لم يخشَ آخاب الملك وإيزابيل الشريرة بل أرعب قلبيهما، نطق أيضا يوحنا الجديد أمام اللجنة المرسلة من السنهدرين في شجاعة وجرأة بلا خوف. لم ينطق بكلمة فيها تشامخ، بل بروح التواضع وفي نفس الوقت شهد بروح الحق.

إلى الآن المسيح قائم أقرب إلى الإنسان مما يتصور الإنسان نفسه، لكنه غير قادر على معرفة ذلك. وكما قال القديس أغسطينوس أن السيد المسيح كان في داخله عميقًا أعمق من عمقه، وعاليًا أعلى من علوه، وأنه في غباوته خرج خارجًا يبحث عنه، وهو في داخله.

v قال يوحنا المعمدان عن المسيح: "في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه"، لأنه كان لائقًا بالمسيح أن يختلط بالشعب كواحدٍ من كثيرين، إذ يعلمنا في كل موضع طبيعته الخالية من الكبرياء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v لتظهروا أهلاً أن يكون المسيح في وسطكم.

لأنه حيث يوجد السلام يوجد المسيح، إذ المسيح هو السلام.

وحيث يوجد البرّ يكون المسيح، لأن المسيح هو البرّ.

ليكن في وسطكم لكي تروه، لئلا يُقال لكم أنتم أيضًا: "ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه" [26]. لم يره اليهود هؤلاء الذين لم يؤمنوا به. إننا ننظر إليه بالورع، نتطلع إليه بالإيمان.

ليقف إذن في وسطكم، لكي تنفتح لكم السماوات التي تعلن مجد الله (مز1:19)، فتعلموا مشيئته، وتعملوا أعماله. من يرى يسوع تنفتح السماوات له كما انفتحت لاستفانوس (أع 56:7)[195].

القديس أمبروسيوس

"هو الذي يأتي بعدي الذي صار قدامي،

الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه" [27].

كأن يوحنا يقول إن المسيح أكرم مني قدرًا وأبهى مكانًا.

v لم يعمد يوحنا بالروح لكنه كرز بالمسيح وبالروح... إذ لم يعتمدوا لا باسم المسيح ولا بالإيمان بالروح القدس لم يستطيعوا نوال سرّ العماد[196].

القديس أمبروسيوس

v كأنه يقول: "لا تبدأوا تظنوا أن كل شيء هو في معموديتي، فلو أنها كاملة، لما قام آخر بعدي ليقدم معمودية مختلفة. معموديتي هي مجرد ظل وصورة. لكن يأتي من يضيف إليها الحقيقة. حتى أن مجيئه نفسه بعدي يُظهر بالأحرى كرامته. لو أن الأولى كاملة لما كان يوجد موضع للأخرى. الذي يأتي بعدي أكثر كرامة وبهاءً... ولكي يظهر عدم إمكانية المقارنة قال: "الذي لستمستحقًاأنأحل سيور حذائه"[197].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v إنه لأمر عظيم أن نحمل حذاء يسوع، ولكنه لأمر عظيم أيضًا أن ننحني إلى أموره الجسدية التي حدثت أسفل (على الأرض)، وذلك لكي نتأمل صورته أسفل وأن نحل كل صعوبة تخص سرّ التجسد، كما لو كانت كل سيور حذائه. إنه لأمر واحد هو رباط الغموض وكأنه مفتاح المعرفة (لو ١١: ٥٢) الواحد. فإنه حتى الأعظم بين مواليد النساء (لو ٧: ٢٨) لم يجد في نفسه الكفاءة أن يحل أو يفتح هذه المصاعب، حيث أن الذي ربط وأغلق وحده يمنح لمن يريد أن يحل ويفتح سير حذائه والأمور المغلقة[198]

v إن كانت العبارة الخاصة بالحذاءين لها معناها الخفي يلزمنا ألا نعبر عن ذلك. أظن أن التجسد، حيث أخذ الابن لحمًا وعظامًا هو أحد الحذاءين، ونزوله إلى بيت الجحيم أينما وُجد، والرحلة بالروح إلى السجن هو الحذاء الآخر. جاء في مز ١٥ عن النزول إلى بيت الجحيم: "لا تترك نفسي في الجحيم" (مز ١٥: ١٠)...[199]

العلامة أوريجينوس

v ليس أحد هو العريس سوى المسيح الذي يقول عنه القديس يوحنا: "من له العروس فهو العريس" (يو 29:3). لذلك هؤلاء (موسى ويشوع بن نون وغيرهما) خلعوا أحذيتهم، أما حذاؤه فلا يقدر أحد أن يحل سيوره، وكما قال القديس يوحنا: "أنا لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه" [27][200].

القديس أمبروسيوس


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:12 am

يستعيرالبابا غريغريوس (الكبير) عن العلامة أوريجينوس فهمه للحذاءأنه يشير إلى الجسد القابل للموت، لأنه مصنوع من جلد الحيوانات بعد ذبحها. وكأن الكلمة بتجسده ارتدى الجسد القابل للموت مخفيًا لاهوته. ولم يكن ممكنًا ليوحناأن يحل سيوره، أي أن يتعرف بعد على أسراره خلال روح النبوة[201]

v كيف تواضع جدًا! لذلك ارتفع جدًا!، لأن من يتواضع يرتفع (لو 14: 11)... لقد قال: "لا أنا بل هو"، أما هم فقالوا: "نحن". يوحنا غير مستحق أن يحل سيور حذائه. كم كان تواضعه لو أنه قال أنه مستحق لذلك، وأما بقوله: "يأتي بعدي من هو كان قبلي، الذي لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه" فقد ظهر تواضعه عظيمًا. عندما يقول أنه غير مستحق لفعل هذا. بالحقيقة كان مملوءً من الروح القدس الذي بهذا عرف كخادم سيده، وتأهل أن يكون صديقًا عوض خادم[202].

القديس أغسطينوس

"هذا كان في بيت عبرة في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد" [28].

"بيت عبرة" أو بيت العبور، وهو عبر الأردن. ويرى البعض أنه في هذا الموضع عبر إسرائيل الأردن متجهين نحو أرض الموعد تحت قيادة يشوع.

v ذكر البشير المكان لكي يوضح مجاهرة يوحنا المعمدان النذير العظيم بصوته، لأنه ما شهد بالمسيح في بيت ولا في زاوية، لكنه توجه إلى الأردن وأنذر به في وسط جماعة الناس الحاضرين الذين اعتمدوا منه كلهم، ونادى لديهم بذلك الاعتراف العجيب.

v النسخ الأكثر صحة تذكر "بيت عبرة"وليست"بيت عنيا"،لأن بيت عنيا ليست عبر الأردن، ولا في البرية بل بالقرب من أورشليم[203].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v معنى اسم "بيت عبرة" مناسب لمعمودية ذاك الذي يعد شعبًا للرب، إذ تُترجم "بيت الإعداد". "بيت عنيا" يعني "بيت الطاعة". أي إذن مناسب لذاك الذي أُرسل كملاك أمام وجه المسيح ليعد طريقًا أمامه ليعمد مثلما يكون في "بيت الإعداد"[204]

العلامة أوريجينوس

"وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلاً إليه،

فقال: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" [29].

في شهادة يوحنا له نلاحظ الآتي:

v أنه حمل الله فقد اعتادت البشرية أن تقدم الذبائح لله لمراضاته. أما هنا فالذي يُعد الذبيحة هو الله الآب نفسه الذي يقدم ابنه الوحيد ذبيحة.

v أنه ذبيحة كفارة أو ذبيحة إثم، قادرة بالحق أن ترفع الخطايا، وليست ظلاً أو رمزًا كالذبائح الحيوانية.

v يمتد عملها إلى البشرية كلها. هذا ما كان غريبًا عن الفكر اليهودي، إذ يقول[205]Yalcut Rubeniعلى سبيل المثال: سوف يحمل المسيا خطايا الإسرائيليين". أما أن يمتد إلى العالم كله، فهذا ما لا يقبله اليهود.

هنا هو اللقاء الثاني بين شخص السيد المسيح والسابق له يوحنا المعمدان. أما اللقاء الأول فيرويه لنا لوقا الإنجيلي (لو ١: ٣٩–٤١) حيث التقى الجنين الذي في أحشاء القديسة مريم بالجنين في أحشاء القديسة اليصابات. وقد قدم لنا العلامة أوريجينوس نوعًا من المقارنة بين اللقاءين.

أولاً: في اللقاء الأول سكب المسيا وهو جنين في بطن أمه نوعًا من مجده على الجنين يوحنا المعمدان، حتى حمل نوعًا من الشبه، لذلك لم يستطع البعض التمييز بين الأصل والصورة. فحسب البعض يوحنا هو المسيا (يو ١: ٢٠)، وظن آخرون السيد المسيح يوحنا قائمًا من الأموات (لو ٣: ٥؛ مت ١٤: ٢؛ مر ٦: ١٤).

ثانيًا: إن كان المسيح هو الكلمة ويوحنا هو الصوت، فقد كان هذا الصوت عاليًا في أحشاء اليصابات حين امتلأت بالروح القدس عند سماعها تحية مريم، فصرخت بصوتٍ عالٍ وقدمت شهادتها (لو ١: ٤٢). وكما يقول العلامة أوريجينوس [هذا هو السبب الذي لأجله ركض يوحنا وصارت الأم كما لو كانت الفم ونبية عن الابن (الكلمة) عندما صرخت بصوت عالٍ وقالت: "مباركة أنتِ في النساء، ومباركة هي ثمرة بطنكِ" (لو ١: ٤٢)][206]

يتساءل العلامة أوريجينوس لماذا دُعي المخلص حملاً مع أن ذبائح العهد القديم هي ثلاثة أنواع من الحيوانات ونوعان من الطيور: الثور، الحمل، الماعز، يمامتان، فرخا حمام (لا ٥: ٦ – ٧، ١٨). يجيب على ذلك بأن خروفين حوليين كانا يُقدمان كل يوم دائمًا، واحد كتقدمة صباحية دائمة، والآخر كتقدمة مسائية دائمة. [أية ذبيحة دائمة يمكن أن تكون روحية تقدم للكائن الروحي أفضل من الكلمة في أولويته، الكلمة الذي يُدعى رمزيا "الحمل" الذي أُرسل حتى تستنير النفس (لأن هذه هي الذبيحة الصباحية) وترفع أيضًا في نهاية (المساء) وقت العقل المنشغل بالأمور السماوية؟[207]] هكذا نبدأ فجر حياتنا بذبيحة الحمل لنقضي يومنا كله مشغولين بخلاصه حتى يحل مساء عمرنا، فننعم بذات الذبيحة التي تحملنا إلى يومنا الجديد، الأبدية التي لا تنقطع، فنراه في السماء مع القديس يوحنا الحبيب: "الحمل كأنه مذبوح" (رؤ ٥: ٦).

v ماذا يلزمنا أن نفهم، وأية عظمة لحمل الله الذي ذُبح لكي يرفع الخطية ليس عن قليلين بل عن كل العالم [٢٩]، الذي من أجله تألم؟ "لأنه إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا العالم أيضًا" (١ يو ٢: ١–٢). إذ هو مخلص كل بشر ولاسيما المؤمنين (١ تي ٤: ١٠). إنه هو الذي محا الصك الذي كان علينا بدمه، ورفعه من الوسط، فلم يعد أثر للخطايا التي وُجدت بل مُحيت، مسمرًا إياها على الصليب، هذا الذي إذ جرد الرئاسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم في الصليب (كو ٢: ١٤–١٥). هكذا تعلمنا أن نكون فرحين حينما نتألم في العالم. نتعلم علة فرحنا، وهو أن العالم قد انهزم (يو ١٦: ٣٣). وبالتأكيد خضع لمن غلبه. لهذا كل الأمم تتحرر ممن سيطروا عليهم، وصاروا يخدمونه، إذ ينقذ الفقراء من الجبار وذلك بقوة آلامه، ويخلص المسكين الذي لا معين له (مز ٧٢: ٤–٥)[208].

v صار حمل الله حملاً صغيرًا بريئًا يُقاد للذبح لكي ينزع خطية العالم (إش ٥٣: ٧؛ يو ١: ٢٩). الذي يهب الكلام (الكلمة) للكل صار مقارنًا بحملٍ صامتٍ أمام جازيه (إش ٥٣: ٧)، لكي نتطهر نحن جميعًا بموته، الذي يُوزع كدواءٍ ضد تأثيرات العدو، وضد خطية الذين يشتاقون إلى قبول الحق. فإن موت المسيح أبطل القوات المقاومة للجنس البشري، وأباد بسلطان لا يوصف الحياة في الخطية في حياة كل مؤمن[209]

العلامة أوريجينوس

v إذ عمده يوحنا مع كثيرين (آخرين) فلئلا يظن أحد أنه أسرع إلى يوحنا بذات الهدف مثل البقية، أي يعترف بخطايا، ويغتسل في النهر للتوبة، لهذا أعطي ليوحنا الفرصة ليقدم الرأي السليم مرة أخري بالقول: "هوذا حمل الله الذي ينزع خطايا العالم"، فيزيل كل شكٍ.

من الواضح تمامًا أن الذي هو طاهر هكذا حتى يستطيع أن ينزع خطايا الآخرين، لا يأتي لكي يعترف بخطايا، بل ليعطي فرصة لذاك المذيع العجيب أن يعلن ما قاله قبلاً بأكثر تحديد لمن سمعوه قبلاً، كما يسمعه آخرون أيضا.

استخدم كلمة "هوذا" لأن كثيرين بحثوا عنه، لهذا السبب الذي يقوله (يحمل خطاياهم) ولمدة طويلة. لهذا أشار إليه عند حضوره، قائلاً: "هوذا" الذي تبحثون عنهم زمانًا طويلاً، إنه "الحمل".

دعاه حملاً، مُذكرًا اليهود بنبوة إشعياء النبي التي تقول: "ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه، كشاةٍ تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها، فلم يفتح فاه" (إش 53: 7).

ذكرهم بالظل الذي تحت ناموس موسى، لكي يقودهم إلى ما هو أفضل، من الرمز إلى الحقيقة. حمل موسى لم ينزع للحال خطايا أحد، أما هذا فيزيل خطايا كل العالم. كان العالم في خطر الدمار فأسرع إليه وخلصه من غضب الله[210].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v لا تخجل من صليب مخلصنا بل بالأحرى افتخر به. لأن "كلمة الصليب عند اليهود عثرة، وعند الأمم جهالة"، أما بالنسبة لنا فخلاص (1 كو2:1، 3).إنه عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فهو قوة الله (1 كو 18:1،23). لأنه كما سبقأن قلتأنه لم يكن إنسانًا مجردًا ذاك الذي مات عنا، بل هو ابن الله، الله المتأنس.

بالأحرىإن كان الحمل في أيام موسى جعل المُهلك يعبر،أفلا ينزع عنا خطايانا ذاك الذي هو حمل الله الذي يرفع خطايا العالم؟!

دم الخراف غير الناطقة وهب خلاصًا،أليس بالأحرى دم ابن الله الوحيد يخلص؟!

من ينكر قوة المصلوب فليسأل الشياطين!

من لا يؤمن بالكلام فليؤمن بما يرى، فكثيرون صُلبوا في العالم، لكن الشياطين لم تفزع من واحدٍ منهم، لكنها متى رأت مجرد علامة صليب المسيح الذي صُلب عنا يُصعقون، لأن هؤلاء الرجال صُلبوا بسبب آثامهم، أما المسيح فصُلب بسبب آثام الآخرين..."لأنه لم يعمل ظلمًا ولم يكن في فمه غش" (إش 9:53،1 بط 22:2). لم ينطق بهذه العبارةوحده، وإلا لشككنا فيأنه منحاز لمعلمه. لكنإشعياء قالأيضًا، ذاك الذي لم يكن حاضرًا معه بالجسد لكنه تنبأ بالروح عن مجيئه بالجسد.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:13 am

ما بالنا نستشهد بالنبي وحده هنا؟ فها هو بيلاطس نفسه الذي حكم عليه يقول:"لاأجد في هذا الإنسان علة"(لو 23:14)ولماأسلمه غسل يديه قائلاً:"أنا بريء من دم هذا البار".

هناك شهادة أخرى عن يسوع البار الذي بلا خطية، هي شهادة اللصأول الداخلين الفردوس،إذ بكَّت زميله منتهرًاإياه قائلاً:"أما نحن فبعدللأننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئًاليس في محله (لو 23:41)، لأن كلينا تحت قضائه[211].

القديس كيرلس الأورشليمي

v "الزهور ظهرت في الأرض، بلغ أوان القضب، وصوت اليمامة سمع في أرضنا" (نش 2: 12).

يقول العريس: "انظروا فان المروج مزدهرة بأزهار الفضيلة. هل ترى هذا النقاء في جمال النرجس العبق؟ هل ترى ورد التواضع والبنفسج الذي يمثل رائحة السيد المسيح الذكية؟ لماذا إذن لا تعمل تاجًا من هذه الزهور؟ فهذا هو موسم قضب الزهور. لتعمل فرع تاج لتزين بها نفسك. قد حلّ موسم التقليم. يشهد بذلك صوت اليمامة أي أنه يشبه "صوت صارخ في البرية" (متى 3:3)، فيوحنا المعمدان هو اليمامة. هو الذي تقدم هذا الربيع المنير الذي أنبت لبنى البشر الزهور الرائعة للقضب، وقدمها لكل من رغب في جمعها. إنه هو الذي بيّن لنا الزهرة التي من أصل يسى (إش 1:11)، "حمل الله الذي يحمل خطية العالم" (يو 29:1). وهو الذي أوضح لنا التوبة عن الخطية، والحياة حسب الفضيلة. يقول النص: "سُمع صوت اليمامة في أرضنا"، وهي تنادى: "يا أرض" تنادي هؤلاء الذين أُدينوا لخطيتهم، هؤلاء الذين يطلق عليهم الإنجيل "العشارين والزناة"، سمعوا صوت يوحنا المعمدان، بينما لم تقبل البقية تعاليمه[212].

v "اذهب إلى تل المر وإلى جبل اللبان" (نش 6:4)...

خلصت الطبيعة البشرية ومن وصمة الخطية بعد أن رفع حمل اللّه خطية العالم وحطم الإثم (يو 29:1). لذلك يقول النشيد: "كلك جميل يا حبيبتي، ليس فيك عيبة" ويضيف إلى ذلك سرّ الانفعال الذي يرمز إليه المرّ (نش 6:4)، ثم يذكر خليط الأعشاب العطرة والبخور التي تُشير إلى ألوهية المسيح. أن الذي يشارك المسيح في المرّ سوف يحصل على رائحة الأعشاب العطرة والبخور، لأن الذي يتألم معه سينال معه المجد (رو 17:Cool. وعندما يكون في المجد الإلهي سيحصل على الجمال الكامل ويكون بعيدًا جدًا عن كل عيب بغيض بواسطة المسيح ومن خلال المسيح ينفصل عن الخطية. إنه مات وقام من الأموات لأجلنا، وله المجد والقوة الآن وإلى الأبد آمين[213].

القدديس غريغوريوس النيسي

v "هوذا حمل الله". إنه ليس بفرعٍ ممتدٍ من آدم، إنما استمد منه الجسد ولم يأخذ خطية آدم. إنه لم يأخذ الخطية عليه من العجين الذي لنا، إنما هو الذي ينزع خطايانا[214].

القديس أغسطينوس

v النزع (للخطية) يعمل في كل واحدٍ في العالم حتى تُمحى الخطية من العالم كله، ويسلم المخلص مملكة معدة (١كو ١٥: ٢٤) للآب، ليس فيها خطية ما قط، مملكة تسمح بحكم الآب وتأتي بالكل إلى الله بكاملها، فيتحقق القول "يكون الله الكل في الكل" (١كو ١٥: ٢٨)[215].

v نؤمَر بذبح الحمل في العشية (خر 12: 6)، حيث أتى الحمل الحقيقي، مخلصنا، إلى العالم (يو1: 29)في الساعة الأخيرة (1يو2: 18)[216].

v كل إنجيل يجلب فرحًا بسبب صالح[217]

v المسيح هو الصلاح الذي كان ينتظره الشعب[218]

العلامة أوريجينوس

v لنتأمل في نفع الإيمان المستقيم. إنه نافع لي أن أعرف أنه من أجلي احتمل المسيح ضعفاتي، وخضع لعواطف جسدي. ومن أجلي، أقول من أجل كل إنسانٍ، صار خطية ولعنة (2 كو 21:5؛ غلا 13:3)، من أجلي وفي تواضع وخضوع. ومن أجلي هو الحمل والكرمة والصخرة (يو 36:1؛ 1:15؛ 1 كو4:10)، والعبد وابن أمة (مر 45:10؛ يو 4:13، 5؛ مز 16:86؛ 14:116، يو 38:1)، وغير عارف ليوم الدينونة، من أجلي جهل اليوم والساعة (مت 36:24) [219].

القديس أمبروسيوس
ماذا يُقصد بالعالم؟

يميل العلامة أوريجينوس الذي يؤمن بخلاص كل البشرية أن العالم كله سيخلص معتمدًا على قول الرسول بولس: "لأننا قد ألقينا رجاءنا على الله الحي الذي هو مخلص جميع الناس، ولاسيما المؤمنين" (١ تي ٤:١٠). غير أن الرأي السائد في الكنيسة في أيامه غالبًا ما كان يقصد بالعالم هنا العالم الذي استنار بالمخلص فصار كنيسته المقدسة بدمه. وقد عبر عن ذلك العلامة أوريجينوس بقوله: [يرى البعض أن العالم يعني الكنيسة وحدها، بكونها زينة العالم. إذ قيل أيضًا أنها نور العالم، إذ يقول الكتاب: "أنتم نور العالم" (مت ٥: ١٤). الكنيسة هي زينة العالم حيث أن المسيح الذي هو نور العالم الأول هو زينتها... ليته يُقال عن الكنيسة أنها العالم المستنير بالمخلص[220].]

في تسبحة الملائكة في صلاة (تسبحة) باكر نترنم قائلين: "يا حمل الله، يا حامل خطية العالم ارحمنا". يرى البعض إنها من أقدم التسابيح في الشرق والغرب. ففي الغرب قبيل التناول يرددون: "يا حمل الله الرافع خطية العالم، ارحمنا".

"هذا هو الذي قلت عنه:

يأتي بعدي رجل صار قدامي،

لأنه كان قبلي" [30].

يكرر المعمدان هذه الشهادة أنه وإن سبق في الزمن مجيئه عن مجيء الكلمة المتجسد إنما ليهيئ الطريق، أما من جهة الوجود، فالكلمة كائن أزلي سابق له، وأعظم منه في الكرامة.

v يقول المعمدان: "مجيئي ليس له هدف إلا أن يعلن عن المحسن العام لكل العالم المسكون، وأن يقدم معمودية الماء،أما هذا فيطّهر كل البشرية ويهب طاقة الروح. يأتي بعدي ذاك الذي يظهرأكثر مني بهاءً، "لأنه كان قبلي"[221].

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأنا لم أكن أعرفه،

لكن ليظهر لإسرائيل،

لذلك جئت أعمد بالماء" [31].

غاية رسالة يوحنا هو تقديم يسوع المسيح لشعب إسرائيل مع أنه لم يكن بعد قد رأى وجهه ولا عرفه، ولم يكن قادرًا أن يصفه سوى أنه حمل الله الذي يرفع خطية العالم.

v كانا قريبين حسب الجسد... ولئلا يبدو إنه يقدم مجدًا له بسبب القرابة استمر يقول:"وأنا لم أكن أعرفه"[222].

v كيف تكون يا يوحنا شاهدًا مؤهلاً للتصديق، كيف تُعلم أناسًا آخرين إن كنت جاهلاً به؟! إلا أن يوحنا لم يقل: "لم أعرفه"، لكنه قال: "أنا لم أكن أعرفه". وبهذه الشهادة صار مؤهلاً لتصديقه كثيرًا، إلا أنك إن سألته: فكيف عرفته؟ يقول لك: عرفته بنزول الروح عليه...

أما كان يمكن ليوحنا أن ينذر بالمسيح بدون التعميد، ويقتاد الجموع بسهولة؟ فأجيبك: لم يكن ذلك ممكنًا البتة، لأنه لو كان قد نادى وأنذر بدون معمودية لما كان أهل ذلك البلد تقاطروا إليه كلهم على هذا المثال في كثرتهم، ولا عرفوا من المقايسة بينهما سمو أحدهما، إذ أن جموع الشعب خرجت إليه ليس لأنهم سمعوا الأقوال التي قالها، لكنهم خرجوا إليه ليعتمدوا ويعترفوا بخطاياهم، فلما جاءوا إليه علَّمهم وعرَّفهم ما شهد به في وصف المسيح والفرق بين المعمودية التي له والتي للمسيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v وإن كان قد عرفه وهو لا يزال في رحم أمه (لو ١: ٤١–٤٤) بالتأكيد لم يعرف كل شيء عنه، وربما لم يكن يعرف أنه ذاك "الذي يعمد بالروح القدس ونار". عندما رأى الروح نازلاً ومستقرًا عليه [٣٣][223].

العلامة أوريجينوس

"وشهد يوحنا قائلاً:

إني قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء،

فاستقر عليه" [32].

v لا تظن أن هذا تجسد، بل ظهور. لقد جلب المظهر أمامه، حتى بالمظهر يؤمن ذاك الذي لم يرَ الروح. وبالمظهر يعلن أنه شريك مع الآب والابن في كرامة السلطة، عمل واحد في السرّ، عطية واحدة في الغطس[224]

v قال بما يليق: "استقر عليه"، لأن الروح أوحى بالكلام أو العمل للأنبياء كيفما شاء، لكنه مستقر على الدوام في المسيح[225].


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:13 am

لا تهتز من القول: "عليه" إذ هو يتحدث عن "ابن الإنسان"، إذ اعتمد بكونه ابن الإنسان. فهو ليس عليه حسب اللاهوت، بل فيه، كما أن الآب في الابن والابن في الآب[226].

القديس أمبروسيوس

يقول البابا أثناسيوس الرسولي أنه إذ استقر الروح على يسوع [فذلك من أجل تقديسنا حتى ما نشارك مسحته[227].]

v لم يكن ممكنًا أن يصيروا أبناء، لأنهم بالطبيعة مخلوقات، ما لم يتقبلوا روح ذاك الذي بالطبيعة الابن الحقيقي. فلكي يتحقق ذلك "صار الكلمة جسدًا"، لكي ما يجعل الإنسان قادرًا على اللاهوت[228]

v يعمل الآب كل الأشياء بالكلمة في الروح القدس، بهذه الوسيلة تحفظ وحدة الثالوث القدوس[229].

البابا أثناسيوس الرسولي

v لست أتحدث عن المسيح الذي يسكن الروح فيه، ليس كمن يهب طاقةenergounouchos، بل كرفيق لذاك الذي له ذات الكرامة[230].

القديس غريغوريوس النزينزي

لم يتردد القديس يوحنا الذهبي الفم عن أن يعلن أن يسوع كان مملوءً بالروح، إذ "هو روحي، لأن الروح نفسه شكله (من جهة تأنسه)، إنه كلمة الله كما أنه طاقة الروح"[231].

كان القديس غريغوريوس أسقف نيصص معارضًا للقول بأن الروح عمل في المسيح: "أضيف الإشارة إلى أن المسيح الذي سكن في الروح ليس كمن يعطيه طاقة بل كمن هو رفيق بكونه مساوٍ له في الكرامة[232]. كان يلذ للقديس غريغوريوس أسقف نيصص أن يتحدث عن الروح القدس كرفيق للكلمة المتجسد، ويجعل أعماله مُعلنة[233].

خصص القديس كيرلس الكبير الأناثيما 9 للتعليم الخاص بحضور الروح القدس في المسيح. لا يحتاج الله الكلمة إلى الشبع خلال الروح، لأنه هو قدوس بالطبيعة. على العكس فإن جسد الكلمة المتجسد صار يستقبل الروح، بكونه هيكل اللاهوت.

v إنه آدم الثاني الذي يشبه واحدًا منا، تقبل الروح من الآب، لكي يحفظ طبيعتنا... الروح قد فارقنا بسبب الخطية، وقد صار ذاك الذي لا يعرف خطية يشبه واحدًا منا، حتى يبقى الروح فينا بلا انقطاع[234].

v بسبب الخطية لم يجد الروح راحة في الكائنات البشرية، ولكن إذ صار كلمة الله إنسانًا، فإنه عليه وحده، البكر الثاني للجنس البشري، استقر الروح على الطبيعة البشرية، لكي يستقر أيضًا علينا[235].

v بعد أن صار إنسانًا، كان له أن يقبل الروح، وإذ فعل هذا ولم يعرف خطية أراد الروح أن يسكن فيه ويستقر عليه بكونه بكر الجنس البشري، وأصله الثاني[236].

v إذ كان جسمه كله مملوء بطاقة الروح المحيية، لهذا دعا جسده روحًا، دون أن ينكر أنه جسد[237].

القديس كيرلس الكبير

v يأتي المسيح؛ والروح يهيئ طريقه. يأتي في الجسد والروح لا ينفصل عنه قط، يعمل عجائب ويمنح أشفية من الروح القدس. الشياطين تخرج بالروح القدس. حضور الروح يفسد الشيطان. غفران الخطايا يعطى بعطية الروح. لقد اغتسلتم وتقدستم... باسم الرب يسوع المسيح وبروح إلهنا" (1 كو 6: 11)[238].

القديس باسيليوس الكبير

v "عيناه كالحمام على مجارى المياه"(نش 5: 12)... يُعبر النص عن الحياة الروحية النقية بالحمام، الذي شاهد شبيهها يوحنا عندما حلَّ الروح القدس على المياه (يو 32:1)، لذلك فإن الذي يُعيّن بواسطة اللّه كعيون لجسد الكنيسة يجب عليه أن يغسل أي شيء يعوق بصره، لكي يقوم بوظيفة المراقبة والرؤية كما يجب. يقول اللّه أنه لا يوجد نوع واحد من المياه لغسل عيوننا، بل توجد أنواع كثيرة. فتوجد فضائل عديدة تمثل عدة ينابيع لتنقية المياه التي نغسل بها عيوننا لكي تُصبح نقية. والأمثلة على هذه الينابيع لتنقية المياه هي: المثابرة والعمل الدءوب، والتواضع، والصدق، والبر، والحزم والشجاعة، والرغبة في عمل الخير، والبعد عن الشر. تفيض أنواع هذه المياه وغيرها من نبع واحد وهو يضم مجاريها في مجرى واحد وبواسطتها تتنقى العيون من أي إفرازات للانفعالات[239].

القديس غريغوريوس النيسي

"وأنا لم أكن أعرفه،

لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي:

الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه،

فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس" [33].

v يسوع المسيح هو ابن اللُه،ومع هذا لم يكرز قبل العماد بالإنجيل (الذي صُلبه التمتع بالتبني للُه خلال السيد المسيح).


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:14 am

إن كان السيد نفسه قد اتبع هذا الوقت المناسب اللائق، فهل يجوز لنا نحن خدامهأن نخالفه النظام؟!إذ(من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز) عندما"نزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة" (مت 17:4، لو 22:3)، لا لكي يراه يسوع فيعرفه،إذ هو يعرفه قبلما يأتي عليه على هيئة جسمية، إنما لكي يراه يوحنا الذي يعمدهإذ يقول: "لكن الذيأرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه فهذا هو الذي يعمدبالروح القدس" (يو23:1).

إن كنتأنتأيضًا تحمل درعًا قويًا فإن الروح القدس يحل عليك، والآب يكلمك من فوق من الأعالي ليس قائلاً: "هذا هوابني" بل "الآن صرت ابني"، لأن فعل المضارع في "هذا هو ابني" يخص الابن وحده الذي "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند اللُه وكان الكلمة اللُه" (يو1:1)، فهووحده الذي يقال له: "هو ابني"إذ هو على الدوام ابن اللٌه. أما أنت فيُقال لك: "الآن تكون" إذ لاتحمل بنوة طبيعية بل تتقبلها بالتبني.هوابن سرمدي، أما أنت فتقبلت النعمة مؤخرًا[240].

القديس كيرلس الأورشليمي

v ما الذي لم يكن قد عرفه؟ إنها قوة معمودية الرب، فهي لن تنتقل من الرب إلى أي إنسانٍ، بل تتم خدمتها بكل وضوح هكذا. لا تنتقل القوة من الرب إلى أي أحدٍ، يقوم بالخدمة الشخص الصالح أو الشرير. لا ترتد الحمامة عن خدمة (الخادم الشرير) بل تتطلع إلى قوة الرب. أي ضرر يليق بكم من الخادم الشرير ما دام الرب صالح؟[241]

v لقد عرف (يوحنا المعمدان) أنه هو الرب، واعترف أنه هو الحق، وأنه (يوحنا) إنسان حق مُرسل من الحق، هذا ما عرفه يوحنا. ولكن ماذا كان في (المسيح) لم يعرفه يوحنا؟ إنه قد حان الوقت أن يحتفظ لنفسه بقوة عماده، ولا يحولها إلى أي خادم... ما الذي لم يكن يعرفه؟ إن سلطان المعمودية العظيم هو للرب وأنه يرده لنفسه سواء وهو حاضر هنا على الأرض أو عند غيابه بالجسد في السماء، وحضور جلاله، لئلا يقول بولس: "معموديتي"، ولئلا يقول بطرس: "معموديتي". انظروا وانتبهوا لكلمات الرسل. لم يقل أحدهم: "معموديتي". مع وجود إنجيل واحد للكل، لكنك تجدهم يقولون: "إنجيلي"، ولا تجدهم يقولون "معموديتي". هذا ما تعلمه يوحنا يا اخوتي. ما تعلمه يوحنا بالحمامة فلنتعلمه نحن أيضًا. لأن الحمامة لم تعلم يوحنا دون تعليم الكنيسة، هذه التي قيل عنها: "واحدة هي حمامتي" (نش 6: Cool. ليت الحمامة (الروح القدس) تعلم الحمامة (الكنيسة)[242].

v تقول لي: هذا الشخص أو ذاك عمدك، لكن بالحمامة (الروح القدس) يُقال لي ولك: "إنه هو (الرب) الذي يعمدك. من الذي أصدقه: الحدأة أم الحمامة؟[243]

v هذا السرّ مقدس جدًا حتى أن خدمة قاتل له لن يفسده[244].

v أي نفع كان في أن تتقبل عماد خادمٍ معين لكي ما لا تزدري من قبول عماد الرب؟...

إن كنت قد جئت إلى الخادم فهل تستنكف من المجيء إلى الرب؟ إن كنت قد قبلت معمودية الخادم، فهل تستنكف من أن تتعمد بواسطة الرب؟[245]

v لو أنه كان يجهله تمامًا لما قال له عند مجيئه إلى النهر ليعتمد: "أنا محتاج أن أعتمد منك، فكيف تأتي إليّ؟"... لقد عُرف الرب بواسطة الحمامة، لا لذاك الذي لم يعرفه، بل لذاك الذي عرفه بطريقة ما، ولم يعرفه من جانب آخر. إنه من أجلنا لكي نكتشف ما هو فيه، الأمر الذي لم يعرفه يوحنا وتعلمه بالحمامة[246].

القديس أغسطينوس

v أظن أننا لا نستطيع أن نكف عن رؤية تلك النار عندما نقرأ أن الرب يسوع يعمد بالروح القدس ونار [33]، كما يقول يوحنا في إنجيله... لذلك يقول إرميا بعد قبوله الروح: "صارت في قلبي كنارٍ حارقة ملتهبة في عظامي، وأنا كحقير لا أحتملها " (إر 9:20)... ماذا يعني هذا – أعني أن هذه النار تصير ماءً، والماء يستدعي نارًا – إلا تلك النعمة الروحية التي تحرق خطايانا بالنار وتغسلها بالماء؟ فإن الخطية تُغسل وتحترق[247].

القديس أمبروسيوس

v قَبِلْ العماد من يوحنا لهذا الهدف، وهو إذ يقبل ما هو أقل ممن هو أقل، يحثنا نحن الأقل أن نقبل ما هو أسمى[248].

v لو أن ربنا يسوع المسيح وحده اعتمد بمعمودية يوحنا، لظن البعض أن معمودية يوحنا أعظم من معمودية المسيح. إذ يقولون: إن هذه المعمودية هي الأعظم، لأن المسيح وحده هو الذي تأهل لها. لهذا كمثال للتواضع يقدمه لنا الرب أن ننال خلاص المعمودية.

قبل المسيح ما هو ليس ضروري له، لكنه ضروري لحسابنا نحن

مرة أخرى لئلا ما تقبله المسيح من يوحنا يُفضل عن عماد المسيح سمح للآخرين أيضًا أن يعتمدوا بواسطة يوحنا. وأما الذين اعتمدوا بواسطة يوحنا فمعموديتهم لم تكن كافية، إذ كان يلزمهم أن يعتمدوا بمعمودية المسيح[249].

v كما كان المسيح هكذا كانت معموديته: معمودية الرب، إلهية لأن الرب هو الله[250].

القديس أغسطينوس

"وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله" [34].

v لما كان يوحنا قد عمد، والمسيح قد عمد، فلكي لا يتوهم متوهم من الحاضرين أن القول الذي قيل من أجل يوحنا، جاء الروح متلافيًا هذا التوهم واستقر على المسيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم
4. شهادة تلاميذه الأولين له

- شهادة يوحنا لمسيحانية يسوع (35-37) كسبت أندراوس[38-40].

-شهادة أندراوس بالتالي كسبت سمعان الذي دعاه يسوع صفا[42].

- دعي فيلبس من بيت صيدا على بحر الجليل، فكسب نثنائيل[45-51] الإسرائيلي الذي لا غش فيه.

"وفي الغد أيضا كان يوحنا واقفًا هو واثنان من تلاميذه" [35].

"فنظر إلى يسوع ماشيًا فقال:

هوذا حمل الله" [36].

"نظر إلى يسوع"؛ ما أحوجنا إلى التطلع نحو السيد المسيح لننظره. نتطلع إليه فنراه يتطلع إلينا، مهتمًا بخلاصنا.

v لقد شهد يوحنا المعمدان عن المسيح أن هذا هو ابن الله [34]، فلم يصغِ أحدهم إلى قوله ولا سأله، ولا قال له ما بالك تقول هذه الأقوال ولأجل من تقولها. وقال أيضًا هنا: "هوذا حمل الله!"، ولا على هذه الجهة لذع حسهم الزائل، فكانت طبيعتهم عنده طبيعة أرض صلبة ليَّنها بفلاحته، وأنهض تمييزهم الطيني بكلامه، لأنه اجتهد في غرض واحد وهو أن يقدمهم إلى المسيح، ويلصقهم به، لأنه عرف أنهم إذا قبلوا قوله هذا منه لا يحتاجون فيما بعد إلى الشاهد له.

القديس يوحنا الذهبي الفم



عندما حان الوقت لكي يرحم الله، جاء الحمل.

أي حمل هذا الذي تخافه الذئاب؟

من أي نوع هذا الحمل الذي عندما يُذبح يُذبح أسدًا؟ لأن الشيطان يُدعى أسدًا، يجول زائرًا يلتمس من يفترسه (1 بط 5: Cool. بدم الحمل انهزم الأسد...

إنه لأمر عظيم أن ترى في العالم كله الأسد ينهزم بدم حملٍ؛ وأعضاء المسيح يخلصون من أنياب الأسود، ويرتبطون بجسم المسيح[251].

v يريد المسيح أن يمتلك ما قد اشتراه وحده، ولا يرغب أن يشاركه أحد في الملكية، إنما.

لقد دفع ثمنًا عظيمًا هكذا، لكي يمتلك وحده.

إنك تجعله شريكًا مع الشيطان هذا الذي بعت نفسك إليه.

"ويل لذوي القلبين" (ابن سيراخ 2: 12)، هؤلاء الذين يعطون جزءً من قلوبهم لله والآخر لإبليس.

إذ يغضب الله لأن الشيطان صار له نصيب في القلب، يفارق القلب ويمتلك الشيطان على القلب كله. ليس باطلاً يقول الرسول: "لا تعطوا مكانًا لإبليس" (أف 4: 27).

لنعرف إذن أيها الاخوة الحمل، ولندرك ثمننا[252].

القديس أغسطينوس

"فسمعه التلميذان يتكلم فتبعا يسوع" [37].

إذ سمعا عن الخلاص التصقا بالمخلص دون تأجيل وبغير حوارٍ. كل لحظة تأجيل تمثل خطرًا على النفس، إذ يليق بها أن تسعى إليه، وتطلبه بلا توانٍ.

كان التلميذان اللذان تبعاه مشتاقين إلى قبول كلمة نعمة من فمه، لا من فم السابق له رقم 2 يشير إلى الحب وكأن التلميذين يشيران إلى كل الذين قبلوا تبعيته بكمالٍ، وهم الذين يكرسون حياتهم بالحب لله والحب للقريب. هذان هما التلميذان اللذان يحملاننا إلى تبعية المسيح الصادقة.

يروي لنا الإنجيلي يوحنا دعوة تلميذين من تلاميذ يوحنا ليتبعاه، وهما أندرواس ويوحنا الإنجيلي نفسه (غالبًا). وقام الأول بدعوة أخيه سمعان بطرس. هؤلاء الثلاثة هم باكورة تلاميذ السيد. هكذا بدأت الكنيسة صغيرة جدًا تضم ثلاثة يتمتعون بالنظر إلى يسوع والملكوت معه.

"فالتفت يسوع ونظرهما يتبعان،

فقال لهما:

ماذا تطلبان؟

فقالا: ربي، الذي تفسيره يا معلم أين تمكث؟" [38].

يليق بنا أن نجيب دومًا على سؤال السيد المسيح في كل عمل وفي كل كلمة ننطق بها أو فكر ننشغل به: ماذا تطلب؟ هل نطلب مسيحنا في كل تصرف؟ هل ننشغل باستنارتنا بروحه القدوس؟ هل نشتهي حضن الآب؟ هل نطلب بنياننا ونمونا في المعرفة الصادقة، وتقديسنا المستمر، ومجدنا الداخلي؟ هل نطلب ما لمجد الله وبنيان الكنيسة؟

سؤال السيد المسيح المستمر لكل إنسان: ماذا تطلب؟ هل يطلب ممتلكات العالم وملذاته، أم يطلب مديح الناس والكرامة الباطلة؟ أم أن يمكث مع المسيح أينما وجد؟ لم يكن للسيد موضع يستريح فيه، بل عاش كغريبٍ، هكذا من يطلبه يمكث معه كغريبٍ على الأرض. فلا يكفي أن نطلب من السيد أن نتبعه بين حين وآخر، وإنما يلزمنا أن نمكث معه. كلما اقتربنا إليه نتمتع ببهاء مجده، وننعم بغنى حبه، ونشتهي ألا نفارقه.

إننا في حاجة أن نلتقي به ونمكث معه فنجلس عند قدميه ونرتوي من ينابيع حبه، ونستنير بروحه القدوس فنتعرف على أسراره الخفية غير المنطوق بها. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "لم يقولا علمنا تعليمًافي الآراء والمعتقدات أو غير ذلك من الأمور الضرورية، لكنهما قالا: "أين تمكث؟"

إذ طلبا المكوث معه جاءت الإجابة سريعة أن يأتيا وينظرا في الحال ليمكثا معه دون تأجيل. الوقت الآن مقبول (٢ كو ٦: ٢).

كان ربنا يسوع المسيح يدرك تمامًا ما في قلبيهماأنهما يطلبان أن يتبعاه فلماذا سألهما؟

أولاً: ليهبهما الثقة، فيعلنان رغبتهما، ويظهر مسرته بغيرتهما نحو الخلاص والحياة المقدسة لكي يسندهما.

ثانيًا: ليعلن أنه من جانبه مستعد أن يبدأ معنا رحلة نفوسنا نحو الحق والمجد الأبدي، لكنه لن يبدأ بدون إرادتنا.إنه يقدس الحرية التي وهبنا إياها.

v نتعلم أن إلهنا لا يعوق بمواهبه إرادتنا، لكننا إذا بدأنا نحن يعطينا الإرادة عينها (يلهب شوقنا إليه بالأكثر)، ويهبنا أسبابًا كثيرة لخلاصنا[253].

v "ماذا تطلبان؟… بسؤاله هذا جعلهما أكثر ائتلافا له، ووهبهما جرأة أعظم، وأظهر أنهما مستحقان أن يسمعاه؛ لأنه من المحتمل أنهما كانا خجولين وخائفين، كمن هما ليسا معروفين لديه، وقد سمعا عنه شهادة معلمها له. فلكي ينزع عنهما خجلهما وخوفهما سألهما ولم يدعهما يذهبان معه إلى البيت في صمتٍ… سألهما لكي كما قلت يهب هدوءً لعقليهما اللذين قد ارتبكا بالخجل والقلق، ويهبهما ثقة[254].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثالثًا:يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أعطاهما من الدالة عنده أكثر قدرًا، وأظهرأنهما مؤهلان للاستماع منه. لأنه كان لائقًا بحالهماأن يخجلا ويرهبا من جهة إنهما لم يعرفاه. فبسؤاله إياهما نزع خجلهما وخوفهما وأوهامهما كلها ولم يتركهما يذهبا إلى المنزل صامتين.]

يقول العلامة أوريجينوس أنه بعد أن قدم يوحنا المعمدان ست شهادات عن السيد المسيح الكلمة، جاء دور الكلمة نفسه ليشهد عن نفسه أمام تلميذي يوحنا[255].

"فقال لهما:

تعاليا وانظرا.

فأتيا ونظرا أين كان يمكث،

ومكثا عنده ذلك اليوم،

وكان نحو الساعة العاشرة" [39].

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح في محبته للتلميذين اللذين تبعاه بعد سماعهما شهادة معلمهما القديس يوحنا المعمدان دخل معهما في حوار في الطريق، حتى يشعرا أنهما ليسا بغريبين عنه، بل صارت لهما معه ألفة، ولكي يمتعهما بصوته الإلهي.

حقا ما أحوجنا أن نسير معه في طريق حياتنا ونطلب أن نسمع صوته الإلهي، ونعطيه الفرصة للحديث معنا، وذلك كما حدث مع تلميذيه وهما في طريقهما إلى عمواس يوم قيامته (لو 24)

يعلن القديس الذهبي الفم على الحوار الوارد مع تلميذي المعمدان بالقول: [ليتنا إذن نتعلم أن نحسب كل الأمور ثانوية بجانب سماعنا لكلمة الله، ولا نحسب وقتًا ما أنه غير مناسب لذلك… ليت الطعام والحمامات وكل أمور هذه الحياة يكون لها زمنها المعين، أما تعليم الفلسفة السماوية فلا يكون لها وقت خاص، بل كل الأوقات مناسبة لها. يقول بولس: "في وقت مناسب وغير مناسب وبخ، انتهر، عظ" (2 تي 4: 2). ويقول أيضا النبي: "في ناموسه يلهج نهارًا وليلاً" (مز 1: 3)[256].]

جاء التلميذان إلى السيد المسيح نحو الساعة العاشرة ليمكثا معه حيث كان يمكث. فمن يقبل وصاياه (العشرة) ويعلن شوقه للطاعة يمكث مع مخلصه كل يوم حياته لا يفارقه حتى يأتي يوم لقائه به وجهًا لوجه في الدهر الآتي.

v لم يتبعاه بأية طريقة، بل التصقا به[257].

القديس أغسطينوس


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:15 am

يرى القديس أغسطينوس أن رقم 10 يشير إلى الناموس حيث الوصايا العشرة. فقد ذهب إلى السيد المسيح بكونه واهب الناموس ومكمله (مت 5: 17)، لكي يتعلما الناموس من واهب الناموس نفسه لأن الرحمة على لسانه (أم 31: 26)، ويكمل قائلاً: [إن كنت لا تقدر أن تتمم الناموس اهرب إلى الرحمة. إن كنت لا تقدر أن تحقق الناموس استخدم ذاك العهد، استخدم الرباط، استخدم الصلوات التي وضعها ونظمها السماوي مختبر الناموس؟[258]]

يرى العلامة أوريجينوس أن السيد المسيح دعا التلميذين للتمتع به وبسكناه خلال حياة العمل مع التأمل. فبقوله: "تعاليا" دعاهما للحياة العاملة، وبقوله "انظرا" دعاهما لربط العمل بالتأمل فيه[259]

"كان أندراوس أخو سمعان بطرس

واحدًا من الاثنين اللذين سمعا يوحنا وتبعاه" [40].

كلمة "أندراوس"في اليونانية تعنى "رجولة". إذ يتبع السيد المسيح من كان جادًافي شوقه للتمتع به والحياة معه. وكما يقول المرتل:"ليتشدد وليتشجع قلبك، وانتظر الرب"(مز 14:27).

لم يعرفنا البشير اسم الآخر، لأنه هو الكاتب لهذه الأقوال.

"هذا وجد أولاً أخاه سمعان فقال له:

قد وجدنا مسيا،

الذي تفسيره المسيح" [41].

بقوله: "وجد" يشير الإنجيلي إلى اهتمام أندراوس بأخيه وبحثه عنه ليشاركه خبرته الجديدة التي تمتع بها بلقائه مع يسوع المسيح. في تواضع قال: "لقد وجدنا مسيا"، إذ لم ينسب هذا الاكتشاف لنفسه وحده بل كان معه آخر. يتحدث بلغة النصرة والاعتزاز بمن وجداه، إذ وجدا اللؤلؤة الكثيرة الثمن، الكنز الحقيقي. لم يردد ما قاله معلمه القديس يوحنا المعمدان: "حمل الله" بل قال كما أعلن عنه الكتاب أيضًا "المسيا"، وهو موضوع شهوة كل يهودي أن يلتقي به.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في دعوة أندراوس لأخيه سمعان، ودعوة آخرين لبعضهما البعض صورة حية لتحقيق الصداقة في الرب، والتعاون في ملكوت الله. يقول إن الله حين خلق آدم لم يدعه وحيدُا، بل أعطاه زوجة معينة له ليعيشا معًا في رفقة، وإن كانت قد أساءت حواء لهذه الرفقة. أما الإنسان الحكيم فيجد منافع كثيرة في الرفقة، ليس فقط مع زوجته وأولاده، بل ومع اخوته، لذلك يقول النبي: "ما أحسن وأبهج أن يجتمع الاخوة معًا" (مز 133: 1). كما يحثنا الرسول بولس ألا نهمل اجتماعنا معًا (عب 10: 25)[260].

v قوله "قد وجدنا" تعبير عن نفس تجاهد من أجل حضرة الرب، وتبحث عن مجيئه من العلا، وتتهلل عندما يتحقق ما تبحث عنه، وتسرع لتهب الآخرين أخبارًا سارة. هذا هو دور الحب الأخوي، خلال الصداقة الطبيعية، وتدبير مخلص، لبسط اليد للغير لتقديم الروحيات[261].

القديس يوحنا الذهبي الفم

دعوة فيلبس ونثنائيل

"فجاء به إلى يسوع،

فنظر إليه يسوع وقال:

أنت سمعان بن يونا،

أنت تدعى صفا،

الذي تفسيره بطرس" [42].

دُعي فيلبس مباشرة ليس خلال يوحنا المعمدان مثل أندراوس ويوحنا، ولا من خلال أندراوس مثل سمعان بطرس. يستخدم السيد المسيح كل وسيلة لدعوة أولاده.

وجد يسوع فيلبس، كمن كان يفتش عليه ويبحث عنه حتى يجده. ولم يقف الأمر عند الشهادة ليسوع المسيح، بل جاء بأخيه إليه، لكي يتمتع بنفسه بالينبوع، يسمع صوته ويتمتع بأعماله.

دعاه السيد المسيح باسمه وغيَّر اسمه، ليدرك الرسالة التي يلتزم بها كشاهدٍ للإيمان بالمسيح.

دعاه والداه "سمعان" الذي يعنى "مستمع" أو "مطيع". وبالحق بروح الطاعة التقى بالمسيح ليهبه اسمًا آخر:"صفا" أو "بطرس" حيث يتمتع بصخرة الإيمان. أما الصخرة فهي المسيح(1كو4:10)هذا الذي أحبه سمعان بطرس.

v لعلك تسأل: ولِمَ عمل المسيح هذا العمل؟ فأجيبك: ليبين أنه هو الذي أعطانا الشريعة العتيقة، وهو الذي أحال فيها الأسماء وقوّمها، وهو الذي سمى إبرام إبراهيم وساراى سارة ويعقوب إسرائيل، وقد وضع لكثيرين أسماءهم منذ مولدهم كما وضع لاسحق وشمشون، ووضع أسماء للذين في نبوة إشعياء وهوشع، ووضع أسماء لأناس بعد الأسماء التي سماهم بها الوالدان.



لقد أخذ كل واحد من أولئك أسماء مختلفة، أما الآن فقد أخذنا كلنا لقبًا واحدًا، وهو ذلك اللقب الأعظم من الأسماء كلها أن نكون مسيحيين وبنين لإلهنا وأصدقاءه وجسده، لأن هذا اللقب أفضل من تلك الألقاب كلها، وفيه كفاية أن ينهضنا ويجعلنا أشد الناس إسراعًا إلى عمل الفضيلة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"في الغد أراد يسوع أن يخرج إلى الجليل،

فوجد فيلبس فقال له:

اتبعني" [43].

ذهب السيد المسيح إلى الجليل ليدعو فيلبس. كلمة"الجليل" تعنى "عمل هجرة" أو "إعلان"، أو "دائرة"،فقدأراد ربنا يسوع أن يظهر التزام تلاميذه بالهجرة من آلام الزمان الحاضر للتمتع بمباهج المجد الأبدي،إذ بهجرة القلب من الارتباك بالأمور الزمنية إلى خبرة سلام السماويات الفائق أو إلىدائرةالسماء.

بحسب القديس اكليمنضس الإسكندري كان متداولاً أن هذا التلميذ هو الذي طلب منه الرب أن يتبعه، فطلب منه أن يسمح له أن يذهب ويدفن أباه (مت ٨: ٢١– ٢٢). وقد وردت كرازته كشماس في أع ٦: ٥. يرى ثيؤدورت أسقف كورش أنه كرز في فريجية (المنطقتين بنفس الاسم). وبحسب يوسابيوس دفن في فريجية باستينياPhrygia Pacatiana.

"وكان فيلبس من بيت صيدا

من مدينة أندراوس وبطرس" [44].

"بيت صيدا" أو بيت الصيد، لأن أغلب سكانها كانوا صيادين للسمك. كان هذا الموضع يتسم بالشر (مت ١١: ٢١) لكن وُجد فيه بقية مقدسة للرب، مختارة حسب نعمة الله.

لم يذكر الإنجيلي المدينة اعتباطًا بل تحمل معنى رمزيًا، فبيت صيدا تعني:"بيت الصيادين". بالحق من يقبل دعوة السيد المسيح ليتبعه إنما يصير صيادًا للناس (مت19:4). وقد كانأول صيد لفيلبس هو نثنائيل، الذي جاء به إلى يسوع المسيح.

v كان الرسول فيلبس من نفس البلدة التي جاء منها أندراوس وبطرس بحسب ما جاء في الإنجيل (يو 44:1). إني أظن أن فيلبس قد مُجد لأنه كان صديقًا للأخوّين أندراوس وبطرس، أول من كرمهما الإنجيل.

فهم أندراوس سرّ المسيح وتبعه بعدما أشار يوحنا المعمدان إليه قائلاً: "هذا هو حمل اللّه الذي يحمل خطية العالم".

تعلم أندراوس حيث كان يسكن وحمل الأخبار المفرحة من النبوات التي صدرت منذ أمد بعيد إلى أخوه سمعان بطرس. ويلزم أن يسبق السمع الإيمان. لأن الشخص الذي يرتبط من كل قلبه بالحمل يصير مقدسًا بتغيير الاسم: فبدلاً من سمعان ناداه السيد المسيح بطرس، وأصبح اسمه بطرس.

ينطبق تغيير الاسم أيضا على إبراهيم وسارة اللذين مرا في مراحل روحية عديدة ثم استقبلا الوعد بالبركات من اللّه، وأصبح إبراهيم وسارة جدان لأمم كثيرة من خلال تغيير الاسم

ويشبه ذلك ما حدث ليعقوب الذي صار اسمه إسرائيل بعد مصارعته الطويلة خلال الليل مع الملاك.

ونمى بطرس العظيم بمثل هذه النعمة، بعد ما عرف إيمان أخوه في حمل اللّه ثم اكتمل من خلال الإيمان وأصبح صخرة. لذلك كان فيلبس مستحقا أن يكون رفيقًا لبطرس وأندراوس بعدما وجده يسوع. كما يقول الإنجيل وجد فيلبس الذي صار تابعًا لكلمة اللّه؛ "اتبعني" (يو 43:1).

وبعد ما امتلأ فيلبس من نور الإيمان، دعا نثنائيل لكي يتقرب من المسيح ويتعرف على سرّ الإيمان ويمتلئ بنوره. فقال له فيلبس: "وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف من الناصرة" (يو 45:1). استقبل نثنائيل رسالة الإنجيل بانتباه ووجد سرّ النبوة عن السيد المسيح صدى في أذنيه. علم أن بيت لحم هي أول مكان لظهور اللّه في الجسد، ولكنه بعد ذلك عاش في الناصرة لذلك سُمى السيد المسيح الناصري.

وقد تبين لنثنائيل من فحص النبوات أن السيد المسيح لابد أن يولد حسب الجسد من نسل داود في بيت لحم، وأن هذا السرّ لابد أن يحدث في مغارة وفيها أقمطة من قماش لكي يلف بها الطفل المولود ومعهم رجل يرعاهم. وكانت الجليل تُعرف حسب الكتاب المقدس بأنها موّطن الأمم (إش 1:9). لذلك ظهر نور المعرفة لنثنائيل الذي قال: "أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟" (يو 46:1) ومن هنا ترك نثنائيل شجرة التين التي أخفى ظلها النور، وتمسك بالواحد الذي لعن شجرة التين الغير مثمرة فجفت أوراقها. وشهد كلمة اللّه أن نثنائيل كان إسرائيليًا حقًا لا غش فيه، فلقد أظهر نفسه نقيًا مثل أبينا إبراهيم (تك 27:25). قال المسيح: "هوذا إسرائيلي حقًا لا غش فيه"[262].

القديس غريغوريوس النيسي

"فيلبس وجد نثنائيل وقال له:

وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء،

يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة" [45].

نثنائيل هو نفسه برثلماوسBartholomew للأسباب التالية:

أ. الإنجيليون الذين أشاروا إلى برثلماوس لم يذكروا نثنائيل، والذين ذكروا نثنائيل لم يشيروا إلى برثلماوس.

ب. كلمة برثلماوس ليست اسمًا لشخص ما، بل تعني "ابن بطليموس"، وأن اسمه الحقيقي هو نثنائيل.

ج. تحدث عنه الإنجيلي يوحنا كواحدٍ من الرسل عندما ذهب مع الرسل للتصيد وظهر لهم السيد المسيح بعد قيامته (يو ٢١: ٢–٤).

قول فيلبس يكشف عن غيرته في البحث في الكتاب المقدس خاصة الناموس والأنبياء، حيثألهب قلبه بالشوق لرؤية "يسوع" أو "المسيا" القادم من بيت داود.أخيرًا قد وجد ذاك الذي يعلن ذاته لطالبيه.

ذكر فيلبس عن السيد المسيح إنه"يسوع" أي "يهوه مخلص"، ليعلن لنثنائيل إنه المخلص الذي طالما تحدث عنه الناموس والأنبياء. أما دعوته "ابن يوسف"فلا يعني إنه من زرعه، وإنما ليؤكد إنه من بيت داود الذي جاء منه يوسف.

"فقال له نثنائيل:

أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟

قال له فيلبس: تعال وانظر" [46].

v هذه ليست كلمات غير مؤمن، ولا من يستحق اللوم بل المديح. كيف هذا؟ وبأية كيفية؟لأن نثنائيل كان يهتم بكتابات الأنبياءأكثر من فيلبس. فقد سمع من الكتب المقدسةأن المسيح يأتي من بيت لحم، من قرية داود... شخصية نثنائيل لا تنخدع بسرعة. لكنه لم يرذل من جاء إليه بل دخل إلى (المسيح) نفسه برغبة عظيمة شعر بها من نحوه. شعر في داخلهأن فيلبس ربماأخطأ في الموضع(لا في الشخص)[263].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى الأبBede أن كلمة"ناصرة" تتناسب مع أسرار المسيح، فهي تترجم "عن النقاوة"، أو "زهرته" أو "منفصل". فالرب مخلص العالم هو القدوس الذي بلا دنس، المنعزل عن الخطايا. يقول في نشيد الأناشيد: "أنا زهرة السهل، زنبقة الوادي"(نش 1:2LXX) ويقول عنهإشعياء النبي:"ويخرج قضيب من جزع يسى وينبت غصن من أصوله"(1:11).

"ورأى يسوع نثنائيل مقبلاً إليه فقال عنه:

هوذا إسرائيلي حقًا لا غش فيه" [47].

امتدحه الرب بكونه إسرائيليًا لا غش فيه، أيبالحق جاء من نسليعقوب الذي يجاهد من أجل الرب، فتأهلأن يُدعى "إسرائيل" (تك 32: 28). بقوله "إسرائيلي حقًا" يعني أنه أهل لأن يكون من نسل يعقوب، ليس فقط يؤمن بإلهه، وإنما أيضًا يتعبد له مجاهدًا بإخلاص وبحق. وبقوله: "لا غش فيه" يعني أنه وسط الفساد الذي اتسم به الشعب في ذلك الوقت احتفظ نثنائيل باخلاصه في إيمانه وحياته، يسلك بالبرّ والاستقامة.

v كمن يقول له: "وأنت تحت ظل الخطية أنا اخترتك"، وإذ تذكر نثنائيل أنه كان تحت شجرة التين حين لم يكن أحد هناك عرف لاهوته وأجاب: "أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل". ذاك الذي كان تحت شجرة التين لم يصر شجرة تين جافة، فقد عرف المسيح[264]

القديس أغسطينوس


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:17 am

"قال له نثنائيل:

من أين تعرفني؟

أجاب يسوع وقال له:

قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك" [48].

ماذا تعنى شجرة التين؟

أولاً:يرى الأبBede أن شجرة التينأحيانًا تشير إلى عذوبة الحب الإلهي، ولكن إذأبوانا الأولان صنعا لنفسيهما ثيابًا من أوراق التين صارت شجرة التين تشير إلى الميل للخطية، والتستر عليها عوض العذوبة الإلهية. فإن كان "نثنائيل" معناه "عطية الله"، فقد فسدت العطية بالتجائها وتسترها بالميل نحو الخطية.

ثانيًا:يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الحديث الذي دار بين فيلبس ونثنائيل كان تحت شجرة تين[265].

v في هذا الموضوع تفهم شجرة التين أنها الخطية... فأنتم تعلمون أن الإنسان الأول غطى نفسه بورق التين عندما أخطأ. بهذه الأوراق التي غطيا بهما عُريهما عندما أحمر وجهيهما بسبب خطيتهما (تك ٣: ٧). وما قد صنعه الله لهما كأعضاء جعلوها بالنسبة لهم مجالاً للخزي. لو أن الشر لم يتقدم ما كان العري يسبب عدم حياء.

القديس أغسطينوس

v ليت يسوع يلقي بنظره إليّ وأنا لازلت تحت شجرة التين غير المثمرة، وليت شجرة التين التي لي تأتي بثمر بعد ثلاث سنوات (لو 6:13 الخ)[266].

القديس أمبروسيوس


"أجاب نثنائيل وقال له:

يا معلم أنت ابن الله،

أنت ملك إسرائيل" [49].

إذ تلامس نثنائيل مع شخص ربنا يسوع المسيح دعاه: "معلمًا"،"ابن الله"، و"ملك إسرائيل". إن السيد قد مدحه بأنه إسرائيلي لا غش فيه، فقد انحنى نثنائيل ليقبله ملكًا عليه وعلى كل إسرائيل.

هذا الاعتراف كان كما يقول القديس يوحنا الذهبى الفم ناقصًا. قال:"أنت ملك إسرائيل"ولم يدرك إنه ملك العالم كله ومخلصه، لهذا وإن كان قد نطق بذات كلمات سمعان بطرس: "أنت ابن الله"(مت16:16) لم يطَّوبه الرب كما طّوب سمعان بطرس. لم يدرك نثنائيل لاهوت السيد وحقيقة شخصه، بل ظنه معلمًا ساميًا فحسب.

"أجاب يسوع وقال له:

هل آمنت لأني قلت لك إني رأيتك تحت التينة؟

سوف ترى أعظم من هذا" [50].

يرى البعض أن نثنائيل اعتاد مثل بعض الحاخامات أن يجلس تحت شجرة تين في هدوء يقرأ في الكتاب المقدس ويناجي الله، ويطلب خلاص نفسه وخلاص إسرائيل. عينا الله على أولاده، خاصة في جلساتهم الهادئة للتمتع بالتأمل في الله وفي أعماله الخلاصية.

"وقال له:

الحق الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة،

وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" [51].

يرى البعض أن هذا التشبيه مأخوذ مما كان متبعًا حين يذهب أمير إلى بلد ما يأتي سفراء بلده ذاهبين إليه وراجعين إلى بلده يحملون إليه ومنه رسائل. هكذا فإن الملائكة السمائيين هم رسل يُرسلون لخدمة ملكهم الذي تنازل وتجسد ليسلك على الأرض كابن الإنسان.

بينما شهد له نثنائيل: "أنت ابن الله؛ أنت ملك إسرائيل" [٤٩]، إذا به في تواضعه يدعو نفسه ابن الإنسان.

ربما يتحدث هنا عن ظهوره في مجيئه الثاني ليدين العالم.

v أرأيت كيف يصعد المسيح بنثنائيل من الأرض قليلاً قليلاً، ويجعله ألا يظنه إنسانًا مجردًا؟ لأن من تخدمه الملائكة وتصعد عليه وتنزل كيف يكون هذا إنسانًا؟ لهذا السبب قال له: "سوف ترى أعظم من هذا"[50] ولتأكيد ذلك قدم خدمة الملائكة له.

ما قاله يعنى هذا "هل تحسب يا نثنائيل أنه أمر عظيم بان تعترف بي إني ملك إسرائيل؟ فما الذي تقوله عني إذا رأيت الملائكة صاعدين ونازلين إليَّ؟" بهذه الأقوال حقق المسيح عند نثنائيل أنه رب الملائكة، لأن الملائكة يصعدوا وينزلوا إليه كخدام لابن ملكهم الحقيقي.

حدث ذلك في وقت صلبه وفي وقت قيامته، وعند صعوده، وقبل ذلك حين تقدموا وخدموه (مت 4: 11)، وحين بشروا بمولده لما قالوا: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة" (لو 2: 14)، وعندما جاءوا إلى مريم، وجاءوا إلى يوسف[267].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v إن كانوا يصعدون وينزلون إليه فهو موجود فوق وهنا في نفس الوقت. فإنه لا يمكن بأية حال أن يصعدوا وينزلوا إليه ما لم يكن موجودًا هناك حيث يصعدون وهنا حيث ينزلون..

لنرى المسيح فوق وأسفل خلال شاول، فقد جاء صوت الرب نفسه من السماء قائلاً: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟" (أع ٩: ٤) ماذا؟...

من أين صرخ؟ من السماء، فهو إذن فوق.

ويقول لماذا تضطهدني؟ "فهو أيضًا تحت (لأن بولس لم يصعد إلى السماء ليضطهده)[268]

القديس أغسطينوس

يرى القديس أغسطينوس[269] أن رؤيتنا للسيد المسيح والملائكة يصعدون وينزلون إليه أعظم من وجودنا تحت ظل شجرة التين أو تحت ظل الموت. أما الملائكة فهم رسل السيد المسيح وتلاميذه. كمثال صعد بولس حين اختطف إلى السماء الثالثة وهو في الجسد أو خارج الجسد لا يعلم، لكنه سمع أمورًا لا يُنطق بها (2كو12: 2-4). وهو بنفسه نزل حينما لم يتكلم مع أهل كورنثوس كروحيين بل كجسديين كأطفالٍ في المسيح، يطعمهم لبنًا لا لحمًا (1 كو 3: 1-2). ذاك الذي صعد إلى السماء الثالثة من أجل المسيح، من أجله نزل إلى الشعب ليتحدث معهم بلغة الأطفال غير الناضجين متشبهًا بالأمهات عند حديثهن مع أطفالهن الصغار. لقد صعد ونزل حيث يقول: "إننا إن صرنا مختلين فلله، أو كنا عاقلين فلكم" (2 كو 5: 13).

يقول القديس أغسطينوس: [إن كان الرب نفسه صعد ونزل، فواضح أن الكارزين به يصعدون بالاقتداء به، وينزلون بالكرازة[270].]







_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:19 am

ملحق للأصحاح الأول

عن
النعمة الإلهية
(نعمة فوق نعمة)

يقدم لنا معلمنا يوحنا البشير خلال السفر كله شخص الكلمة الإلهي المتجسد كمصدر فيضٍ من النعم الإلهية بلا توقف، خاصةنعمة الخلق ونعمة البنوة لله مع فيضٍ من النعم.يقول الإنجيلي: "ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا، نعمة فوق نعمة، لأن الناموس بموسى أُعطي أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (يو ١: ١٥–١٧). وقد سبق لنا نشر كتاب عن النعمة الإلهية في مدرسة الإسكندرية باللغة الإنجليزية، أرجو أن يسمح لي إلهي بترجمته ونشره. أود هنا أن أقدم عرضًا مبسطًا للنعمة الإلهية[271].

ماذا تعني النعمة؟

لم يهتم آباء الكنيسة في الشرق بتقديم تعاريف للمصطلحات اللاهوتية سواء للنعمة أو غيرها، بالرغم من الحديث بفيضٍ عن عمل النعمة ودورها في حياة المؤمن منذ خلقته إلى يوم لقائه مع الرب على السحاب.

ما يشغل ذهن الكنيسة، خاصة كنيسة الإسكندرية، هو الخبرة الحية والاتحاد مع الله كعربون للتمتع بالحياة الأبدية. لهذا لا نعجب إن استخدم العلامة أوريجينوس اسم "المسيح" عوض عطاياه أو نعمه[272]، وفي مواضع أخرى يدعو السيد المسيح "ملكوت في شخص"، فإن من ينعم بملكوت الله إنما يتمتع بالكلمة الإلهي نفسه، واهب النعم ومشبع كل الاحتياجات.

حاول بنيامين بريوريBenjamin Drewery أن يقدم تعريفًا للنعمة الإلهية خلال أعمال أوريجينوس العديدة فقال [يمكننا أن نقترح أنه إذا سُئل أوريجينوس عن تقديم تعريف منهجي للنعمة فإنه يجيب بشيء مثل هذا: "النعمة هي قوة الله المجانية، لكنها ليست غير مشروطة، توضع تحت تصرف الإنسان، بواسطتها يترجم الخلاص إلى حياة جديدة تبلغ الذروة، معلنة ومقننة في الكتب المقدسة، بواسطة يسوع المسيح المتجسد، وتصير به مملكته للعالم"[273].
النعمة وكلمة الله

إذ تغمرنا النعمة الإلهية نسبح في لجة محبة الله الفائقة التي تحصرنا من كل جانب، والتي لا نستطيع أن نحصر طولها وعرضها وعمقها وارتفاعها نتطلع إلى الكتاب المقدس لننهل من الوعود الإلهية الفائقة.

حقًا لقد خلق الله الإنسان ليتحدث الكلمة الإلهي معه وجهًا لوجه. وكان أبوانا الأولان يتمتعان بصوت الله ماشيًا في الجنة (تك 3: Cool. أما وقد أعطى الإنسان ظهره لمصدر النعم، لم يتركه الله بل وهبه الناموس ليرتفع به إلى غنى نعمته. وجاء الكتاب المقدس ليس ورقًا وحروفًا مكتوبة بل لقاءً حيًا مع الكلمة الإلهي وراء الحروف.

من يتمتع بنعمة إدراك أسرار الكتاب المقدس يتمتع بالشركة مع الكلمة الإلهي، وتدخل نفسه الفردوس الروحي المشبع.

v لا يمكن نوال أمر صالح بعيدًا عن الله، وأما فوق كل شيء فهو فهم الكتب المقدسة الموحى بها[274].

v المعنى الروحي الذي يهبه الناموس لا يدركه الكل، وإنما الذين يُمنحون نعمة الروح القدس في كلمة الحكمة والمعرفة[275].

v ليتنا نحث الله لكي ما كما أن الكلمة تنمو فينا، نتقبل اتساع الفكر في المسيح يسوع، وبهذا يمكننا أن نسمع الكلمات المقدسة[276].

v كثيرون يسعون لتفسير الكتب المقدسة... لكن ليس الكل ينجحون. فإنه نادرًا ما يوجد من له هذه النعمة من الله[277].

العلامة أوريجينوس

v "حبيبي هو شبيه بالظبي أو بِغُفْرِ الأيائل. هوذا واقف وراء حائطنا، يتطلع من الكوى، يُوَصْوِص من الشبابيك" (نش 9:2)...

يمكن تفسير معنى هذه الآية كالآتي: لا تكلمني من الآن فصاعدًا برموز الأنبياء والوصايا. وحتى أراك اظهر لي نفسك حتى آتى إلى داخل الصخرة، الإنجيل، وأترك خلفي حائط الوصايا. وحتى أسمعك اجعل صوتك يرن في أذني. فإذا كان صوتك حلوًا جدًا من خلال شبابيك الأنبياء، فكم تكون رؤية وجهك الجميل مُجْلِبةً للحب والسعادة؟

فهمت العروس السرّ في صخرة الإنجيل التي قادها إليها الكلمة بطرق عديدة ومختلفة (عب 11:1)، بينما كان عند الشبابيك. والآن ترغب العروس في ظهوره في الجسد، حتى يمكن رؤية اللّه في الجسد ويتكلم عن الوعود الإلهية للسعادة الأبدية لكل من يستحقها.

لاحظ توافق كلمات سمعان مع رغبة العروس: "الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام، لأن عيني قد أبصرتا خلاصك" (لو 29:2، 30). رأى سمعان مثلما أرادت العروس أن ترى. وهؤلاء الذين استقبلوا صوت المسيح الحلو تعرفوا على نعمة الإنجيل وصرخوا: "يا رب إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك" (يو 68:6)[278].

القديس غريغوريوس النيسي
نعمة الخلق

في تفسيرنا لعبارة "نعمة فوق نعمة" رأينا كيف أن الله أب كل البشرية يبسط يديه ليهب من فيض سخائه نعمته لكل بشرٍ. حقًا توجد نعم عامة يشترك فيها كل إنسان، كما توجد نعم خاصة تمتع بها شعب الله قديمًا بالإيمان خلال الناموس الموسوي، وأما ما قدمه الكلمة الإلهي المتجسد خلال صليبه فيفوق كل فكر. إنه كنز من النعم مفتوح لكل إنسان يقبله ويتجاوب معه. ولعل أول نعمة تمتع بها الإنسان هو "الخلق".

اهتم القديس أثناسيوس الرسولي بالحديث عن نعمة الخلق، فقد أوجد الله الإنسان ليس فقط من العدم إلى الوجود، فيشعر أنه مدين له بكل حياته، وإنما أوجده أيضًا حاملاً نعمة صورته. بهذا يتمكن من ممارسة الحياة الفردوسية، وادراك أسرار معرفة الله، والاتصال بالخالق، فيتمثل به، ويراه ويحيا معه خالدًا إلى الأبد.يشرح القديس عمل الكلمة (اللوغوس) الخالق كواهب نعمة التمتع بصورة الله،واعادتها لنا بتجديد طبيعتنا بعد فسادها.

v طالما يحفظ الإنسان تلك السمة الإلهيةTautotis، فإنه لا ينعزل قط عن إحساسه بالله، أو يبتعد عن شركة حياة القديسين، بل إذ يستعيد نعمة الله التي وُهبت له، وإذ يمتلك القدرة الخاصة التي من اللوغوس كلمة الآب، فإنه يتهلل فرحًا متحدثًا مع الله، فيحيا الحياة المباركة التي بلا ألم، والخالدة بالحقيقة (عديمة الموت). وإذ لا يعوقه عائق عن المعرفة الإلهية، يتأمل دوما بطهارته[279] صورة الأب، أي في الله اللوغوس، الذي خلق الإنسان على صورته، ويتعجب إذ يدرك تدبير الله للكون بواسطة اللوغوس.

لهذا يسمو فوق كل محسوس وكل رؤية جسدانية، فيرتبط بالحقائق الإلهية والمعقولة[280] في السماوات بقوة الذهن. لأنه حينما لا تتصل أذهان الناس بالأجساد، ولا يوجد شيء مختلط بالأذهان من خارج، والذي ينبع من شهوة تلك الأجساد، بل تسمو (تلك الأذهان) بالتمام وتتكامل في ذاتها، كما خلقت منذ البدء.

وإذ تدع جانبًا كل الأمور الحسية والبشرية فإن الذهن يرتفع إلى عنان السماء.

وإذ يعاين اللوغوس يرى فيه الآب،أب اللوغوس، فيختبر الفرح الغامر عند هذه الرؤيا، ويتجدد باشتياقه إليه.

ويشبه ذلك الأمر حالة الإنسان الأول المخلوق الذي دعي آدم (بحسب اللغة العبرانية)، والذي يقول عنه الكتاب المقدس إنه كان في البدء ذا ذهن مثبت على الله بدالة لا تخزى، وإنه عاش حياة الشركة مع القديسين في تأمل الحقائق المعقولة التي اقتناها في ذاك الموضوع، والذي يسميه القديس موسى بشكل تصويري "الفردوس"، وكانت النفس الطاهرة بالحق قادرة أن ترى الله ذاته الذي ينعكس فيها كمرآة. كما قال الرب نفسه: "طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله"[281].

القديس أثناسيوس الرسولي
نعمة حرية الإرادة

v أعطى اللّه الطبيعة العاقلة نعمة حرية الإرادة، وأنعم على الإنسان القدرة على تحديد ما يريده حتى يسكن الصلاح في حياتنا، ليس قسرًا ولا لاإراديًا بل نتيجة للاختيار الحر. إن تمتعنا بحرية الإرادة يؤدى بنا إلى اكتشاف حقائق جلية. في طبيعة الأمور إذا ما أساء أحد استخدام مثل هذه الإرادة الحرة فإنه بحسب كلمات الرسول يصير مثل هذا الشخص مخترعًا لأعمال شريرة (رو 30:1). كل من هو من اللّه يُعد أخًا لنا، أما الذي يرفض الاشتراك في أعمال الصلاح يتم ذلك بكامل إرادته[282].

القديس غريغوريوس النيسي


نعمة الناموس

الناموس، سواء الطبيعي أو الموسوي، في ذاته عطية عظيمة، ونعمة مقدمة من الله، لتهيئ لنعمة الإنجيل، لكن لا وجه للمقارنة بين الظل والحقيقة.

v النعمة التي معنا ليست كتلك التي لهم (لليهود)، فإننا لم ننل مجرد غفران الخطايا، بل نلنا البرّ والتقديس والبنوة ونعمة الروح القدس الأكثر بهاءً وبهجة وفيضًا. بهذه النعمة صرنا نشتاق إلى الله، ليس كعبيدٍ بل كأبناء وأصدقاء. عن هذه الحال يقول: "نعمة فوق نعمة". حتى الأمور الخاصة بالناموس هي من النعمة... إذ قَبِلَ البشر الناموس كترفقٍ وعفوٍ ومحبةٍ ونعمةٍ[283]

v كان يوجد تقديس، والآن يوجد التقديس.

كان يوجد عماد والآن العماد.

كانت هناك ذبيحة والآن توجد الذبيحة.

كان يوجد هيكل والآن يوجد الهيكل...

هكذا كانت توجد نعمة والآن توجد النعمة.

لكن الكلمات في الحالة الأولى استُخدمت كرموزٍ، وفي الثانية كحقائق تحمل ذات الصوت ولكن ليس ذات المعنى[284].

القديس يوحنا الذهبي الفم
نعمة إعادة ما فقدناه

إذ فقد الآن صورة الله صارت حياته جحيمًا لا يُطاق، وتحول الفردوس إلى سجن، وأنبتت له الأرض شوكًا وحسكًا. لم تقف نعمة الله مكتوفة الأيدي مهما كلفها الأمر، حتى وإن كان الثمن تجسد الكلمة وإعلان حبه بقبوله الموت صلبًا حتى يهب الإنسان بهجة القيامة ويتمتع ببرّ المسيح، ويرد روحه القدوس صورة الله فيه.

v فما العمل إذن؟ إلى من يمكن اللجوء لاستعادة نوال مثل تلك النعمة، سوى إلى كلمة الله الذي خلق في البدء كل الأشياء من العدم؟ إذ يختص هو وحده بأن يأتي بمن كان في الفساد إلى عدم الفساد وأن يحقق ما يليق بالآب فوق كل شيء، إذ هو كلمة الله الآب الذي فوق الجميع لأنه وحده القادر أن يستعيد للجميع ما كان مفقودًا، وأن يتألم لأجل الجميع، وأن يكون شفيعًا لدي الآب لأجل الكل[285].

القديس أثناسيوس الرسولي
نعمة القيامة والغلبة على الموت

يقول السيد المسيح لمرثا: "أنا هو القيامة"، فإن كان الفساد قد حل بجسد لعازر الميت لمدة أربعة أيام، فهو حال في كل نفسٍ وجسدٍ، قد انتن الإنسان تمامًا بسبب موت الخطية. جاء "القيامة" يهبنا ذاته، فنتمتع بالشركة معه، فيحررنا من سلطان الموت، ولا يقدر الفساد أن يحل بنا. بروح القوة والنصرة ننشد مع الرسول بولس: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟ أما شوكة الموت فهي الخطية... ولكن شكرًا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" (١ كو ١٥: ٥٥–٥٧). هذه هي نعمة القيامة.

v لكي يستعيد اللوغوس المتأنس عدم الفساد إلى البشر الذين انحدروا إلى الفساد، فيحيهم من حالة الموت، أخذ جسدهم لنفسه، حتى يبيد الموت ويلاشيه بواسطة نعمة القيامة كما تلتهم النار الهشيم[286].

v لقد مات الموت حقًا... فلم يعد مزعجًا بعد، بل بالأحرى فإن المؤمنين بالمسيح يطأون الموت كأنه عدم،بل أنهم يفضلون الموت عن إنكار إيمانهم بالمسيح. كل هذا لأنهم يعلمون أنهم لا يفنون بالموت، بل يحيون بالقيامة ويصيرون عديمي فساد[287].

القديس أثناسيوس الرسولي
نعمة التبني لله الآب

الكلمة الإلهي هو الابن بالطبيعة، مولود من الآب، نور من نور، فيه ننال نعمة التبني لله الآب:

v أمرنا الله أن نعتمد ليس باسم "الخالق والمخلوق"، بل باسم الآب والابن والروح القدس" (مت 28: 19)، لأننا إذ نحن من بين المخلوقات، نصير هكذا (بالمعمودية) مكتملين،وبهذا نصير أبناء[288].

القديس أثناسيوس الرسولي

v إن كان بينكم من هو عبد للخطية فليستعد بالإيمان استعدادًا تامًا للميلاد الجديد في الحرية والتبني. وبخلعه العبودية لخطاياه المرذولة وارتدائه عبوديته للرب المطوَّبة يصير أهلاً لميراث ملكوت السماوات.

اخلعوا"الإنسان العتيق الفاسد حسب شهوات الغرور"(أف 22:4)بالاعتراف، حتى تلبسوا الإنسان"الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه" (كو 10:3).

بالإيمان خذوا"عربون الروح القدس" (2كو 22:1) لكي يقبلونكم في المظال الأبدية (راجع لو 9:16).

تعالوا لتنالوا الختمالسري حتى يعرفكم السيد بسهولة، وتكونون محصيين بين قطيع المسيح المقدس الروحاني، ويكون مكانكم عن يمينه، فترثوا الحياة المعدة لكم، أما هؤلاء اللابسون ثوب خطاياهم الدنس فيبقون عن يساره، إذ لم يأتوا بالمسيح إلى نعمة اللٌه في الميلاد الجديد بالمعمودية.

وإنني أعني بالميلاد الجديد ميلادًا روحيًا جديدًا للنفس، فالوالدون المنظورون يلدوننا حسب الجسد، أما أرواحنا فتُولد ميلادًا جديدًا بالإيمان، إذ"الريح تهب حيث تشاء"، عندئذ متى وُجدتم مستحقين تسمعون الصوت القائل:"نعمًا أيها العبد الصالح والأمين" (مت 21:25)، وذلك إن كان ضميركم غير ملوث بدنس الرياء[289].

القديس كيرلس الأورشليمي





_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:20 am

نعمة الروح القدس

كثيرًا ما شغل منظر عماد السيد المسيح قلب القديس كيرلس الكبير، فرأي الكنيسة كلها في المسيح الرأس بكونها جسده، فمع أن الروح القدس هو روحه الذي لا ينفصل عنه، لأنه واحد معه في الجوهر، لكنه حل عليه في العماد، من أجل تمتع الكنيسة به. فنعمة الروح القدس هي عطية واهب العطايا والنعم لكنيسته ولكل عضو فيها. قدم لنا نعمة الروح القدس الذي يبكتنا على الخطية، ويدين عدو الخير الذي يود هلاكنا، ويهبنا برّ المسيح. يقدم لنا الحق، إي السيد المسيح، ويجدد طبيعتنا، ويقودنا في الطريق، الذي هو المسيح، ويوَّحدنا في استحقاقات دم المسيح مع الآب، ويهبنا شركة مع السيد المسيح ومع السمائيين ومع بعضنا البعض.

v هكذا أيضًا توضح عبارة داود في مز 44: 7- 8 أنه ما كان لنا أن نصير شركاء الروح القدس ولا أن نتقدس لو لميكناللوغوس المتجسد، الذي هو واهب الروح قد مسح نفسه بالروح لأجلنا، ولهذا فمن المؤكدأننا كنا نحن الذين قبلنا الروح القدس حينما قيل انه مُسح بالجسد. لأن جسده الخاص هو الذي تقدس أولاً، وإذ قيل عنه كإنسان، إن جسده قد نال هذا (الروح)، فلأجل هذا ننال نحننعمة الروح آخذين إياها "من ملئه"[290].

القديس أثناسيوس الرسولي

v كان سكب للروح علينا، أما للرب يسوع الذي كان في شكل إنسانٍ، فالروح استقر عليه... بخصوصنا فإن سخاء المُعطي يعين بفيضٍ، أما بالنسبة له فيسكن فيه كمال الروح أبديًا. يسكب إذن حسبما يكفينا، وما يسكبه لا ينفصل ولا ينقسم، أما ما هو له فهو وحدة الكمال الذي به ينير بصيرة قلوبنا حسب قدرتنا على الاحتمال. أخيرًا نحن نتقبل حسب ما يتطلبه تقدم ذهننا. من أجل كمال نعمة الروح غير منظور، ولكنه يساهم فينا حسب إمكانية طبيعتنا[291].

القديس أمبروسيوس
نعمة الشركة في الطبيعة الإلهية

إخلاء كلمة الله ذاته ليحمل شكل العبد وهبنا إمكانية المجد الداخلي الفائق، موضع سرور الله، إذ يرى ملكوته قائمًا فينا، وموضع سرور السمائيين، إذ يمجدون الله على غنى هذه النعمة الفائقة.

مع خبرتنا اليومية لهذا المجد الداخلي وسط تيارات العالم المرة يتجلى هذا المجد في أروع صوره يوم لقائنا مع العريس السماوي على السحاب، فنحمل صورته، ونُزف كعروس سماوية، ملكة تجلس عن يمين ملك الملوك. هذه هي نعمة شركة الطبيعة الإلهية العاملة في أعماقنا.

v يا للسر العجيب! الرب تنازل، الإنسان ارتفع.

v يقول الرسول: "ألا تعلمون أنكم هياكل الله" (١ كو ٣: ١٦). فالغنوصي (المؤمن صاحب المعرفة الروحية الحقيقية) بالتبعية إلهي، وقد صار بالفعل مقدسًا، حاملاً الله، ومحمولاً بالله.

v مزارع الله، إذ يمنحنا ميراث الآب العظيم حقًا والإلهي الذي لا يمكن نقله إلى آخر، يؤله الإنسان بتعليم سماوي، ويضع نواميسه في أذهاننا، ويكتبها في قلوبنا[292].

v القديس اكليمنضس السكندري

v صار كلمة الله إنسانًا، لكي تتعلم كيف يصير الإنسان إلهًا[293].

v شاركنا يسوع المسيح بشريتنا لكي يمنحنا فيضًا من غناه[294].

القديس كيرلس الكبير

v قيل عن المسيح أنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله، حتى إن تلك النعمة، التي وُهبت له يمكن أن ننالها نحن أيضًا، لأن اللوغوس لم ينقص قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة، بل إنه بالأحرى قد ألَّه ذلك الجسد الذي لبسه، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر[295].

القديس أثناسيوس الرسولي

v لداود الحق أن يصرخ، كإنسانٍ قد تجدد، "وسآتي إلى مذبح الله، إلى الله الذي يعطي فرحًا لشبابي" (مز 43:4). كما قال قبلاً إنه شاخ وسط أعدائه... وهو يقول هنا إنه قد استعاد الشباب بعد طول شيخوخة وسقوط الإنسان. لأننا قد تجددنا بالتجديد الذي نلناه في المعمودية، وتجددنا خلال سكب الروح القدس، وسنتجدد أيضا بالقيامة، كما يقول في نصٍ آخر: "فيتجدد مثل النسر شبابك" (مز 103:5) فاعلموا طريقة تجديدنا: "تنضح علَّي بزوفاك فأطهر، تغسلني فأبيَّض أكثر من الثلج" (مز 51:9) وفي إشعياء: "إن كانت خطاياكم حمراء كالقرمز، تبيض كالثلج" (إش 1:18) ومن يتغير من الظلمة، ظلمة الخطية، إلى نور الفضيلة وإلى النعمة، إنما قد تجدد فعلاً. لهذا فإن ذاك الذي تلطخ قبلاً بالدنس الأحمق، يشرق الآن بسطوع أكثر بياضًا من الثلج[296].

القديس أمبروسيوس

v يقول السيد المسيح: "يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا" (مت 37:23). تتوافق هذه التعبيرات مع ما كنا نفترضه. فإذ قال النص المقدس الموحى به، لأي سبب سري لا نعرفه، أن الطبيعة الإلهية لها أجنحة، لذلك يكون الإنسان الأول الذي خلق على حسب صورة اللّه، شبيهًا له في كل شيء (تك 26:1). أستنتج من ذلك أن الإنسان الأول خُلق بأجنحة حتى يكون شبيها بالطبيعة الإلهية. ويتضح أن كلمة "أجنحة" يمكن أن ترمز إلى اللّه. فهي قوة اللّه ونعمته وعدم فساده وكل شيءٍ آخر. وامتلك الإنسان جميع هذه الصفات طالما كان على شبه اللّه في كل شيءٍ، ولكن ميلنا إلى الشر سلب منا الأجنحة. (فلم نكن تحت حماية أجنحة اللّه، بل نُزعت منا أجنحتنا الخاصة). لذلك ظهرت لنا نعمة وبركة اللّه، وأنارت عقولنا حتى تنمو لنا أجنحة من خلال الطهارة والبرً بعد أن ننبذ الرغبات الدنيوية ونتجه إلى اللّه بكل قلوبنا[297].

القديس غريغوريوس النيسي


نعمة اقتناء حياة المسيح

v بالسخاء ذاك الذي يعطينا أعظم كل العطايا، حياته ذاتها[298].

القديس إكليمنضس السكندري
القديس أثناسيوس الرسولي
v (إذ صار إنسانًا) صرنا الآن قادرين أن نقتنيه، نقتنيه هكذا بالعظمة، وبذات طبيعته التي كان عليها، إن كنا نعد له مكانًا لائقًا في نفوسنا.

v المسيح الذي هو كل فضيلة، يأتي ويتكلم على أساس أن ملكوت الله في داخل تلاميذه وليس هو هنا وهناك[299].

العلامة أوريجينوس
نعمة رائحة المسيح الذكية

v هكذا تشبَّه بولس العروس بالعريس في فضائله، وصور بعطره الجمال الذي لا يُدنى منه. من ثمار الروح الحب، الفرح، السلام وما شابه ذلك. صنع عطره، واستحق أن يصير "رائحة المسيح الذكية" (2 كو 15:2). لقد استنشق القديس بولس هذه النعمة الغير مدركة التي تجاوزت كل نعمة، وأعطى نفسه لآخرين كرائحة ذكية ليأخذوا منها على قدر طاقتهم، حسب تدبير كل إنسان. صار بولس الرسول عطرًا، إما لحياة أو لموت، فإنه إذا ما وضعنا العطر ذاته أمام خنفس وأمام حمامة، فلن يكون له تأثير مماثل على الاثنين؛ فبينما تصير الحمامة أكثر قوة حين تستنشقه فإن الخنفس يموت حينذاك. هكذا الحال مع الرائحة المقدسة، مع بولس الرسول العظيم الذي شابه الحمامة[300].

القديس غريغوريوس النيسي
نعمة الفضيلة

v بحق يمكن للإنسان أن يصف نفس القديس بولس بكونها حاملة بذار الفضيلة وفردوسًا روحيًا. فقد ترعرعت في داخله النعمة بعمقٍ، كما كان دائمًا يهيئ أعماقه لتنمو النعمة فيها وتزدهر. وحين صار إناءً مختارًا دأب على تنقية نفسه فاستحق أن ينسكب عليه الروح القدس بفيض. هكذا صار لنا مصدر أنهارٍ كثيرة وعجيبة، ليست فقط الأنهار الأربعة التي نبعت في الفردوس، وإنما أنهار أخرى كثيرة تجرى كل يومٍ لكل واحدٍ منا لتروى ليس فقط الأرض، بل نفوس البشر فتجعلها تنبت الفضائل[301].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v ليعطنا الرب الإله نعمة التواضع التي تقتلع الإنسان من أمراض كثيرة وتحفظه من تجارب كثيرة[302].

الأب دورثيؤس من غزة

v بنعمة الله، منذ تركت العالم لم انطق بكلمة واحدة ندمت عليها فيما بعد[303].

الأب بامبو

v ليس شيء من هبات الله للبشرية قُدم على سبيل إيفاء دين بل الكل هو من خلال النعمة[304].

العلامة أوريجينوس
نعمة الآب والابن

تقديم النعمة الإلهية هو عمل إلهي واحد، عمل الثالوث القدوس محب البشر. فالآب يهب نعمته بفيض بالكلمة الإلهي، بكونه قوة الله وحكمته، يقدمها لنا بروحه القدوس بكونه روح القوة والحكمة. فالنعمة الإلهية هي نعمة الآب والابن والروح القدس، عمل واحد للثالوث القدوس.

v من المستحيل أن الآب عندما يعطى نعمة، ألا يعطيها بالابن، لأن الابن موجود في الآب، مثلما يوجد الشعاع في الضوء. وذلك ليس كأن الله معوز أو ضعيف، بل كأب "قد أسس الأرض بحكمته"(أم 3: 19)، وصنع كل الأشياء بالكلمة المولود منه، ويختم على الحميم المقدس (المعمودية) بالابن. وأوجد كل الأشياء بواسطة كلمته، اللوغوس الذاتي، وأكمل الحميم المقدس في الابن. وحيث يكون الآب فهناك يكون الابن أيضًا. كما أنه حيث يكون النور هناك يكون الشعاع أيضًا.

ولهذا أيضًا عندما وعد الابن القديسين تكلم هكذا: "إليه نأتي، أنا والآب، وعنده نصنع منزلاَ"(يو 14: 23).وأيضًا "لكي يكونوا هم أيضًا واحدًا فينا... كما إننا نحن واحد" (يو 17: 21، 22). وهذا يعنيأن النعمة هي واحدة، وهي معطاة من الآب بالابن، كما يكتب بولس في كل رسائله، "نعمة لكم وسلام أبينا والرب يسوع المسيح". (رو 1: 7، 1 كو 1: 3، أف 1: 2)[305].

v لأن هناك نعمة واحدة من الآب في الابن، كمايوجد نور واحد للشمس وشعاعها. وكما تشرق الشمس من خلال الشعاع، هكذا أيضًا وبذات الأسلوب فإن القديس بولس يبعث بتمنياته لأهل تسالونيكي قائلاً: "والله نفسه أبونا والرب يسوع المسيح يهدى طريقنا إليكم"(1تس3: 11). ومن ثم يحفظ وحدانية الآب والابن. فلم يقل بولس (إن الله أبانا والرب يسوع المسيح) "يهديان" وكأن النعمة مزدوجة المصدر يعطيها اثنان، أي بواسطة هذا وذاك، بل يقول "يهديKatavtheinai" لكي يوضح أن الآب يُعطي هذه النعمة بالابن.

إذن فتلك "العطية الواحدة" تكشف عن وحدانية الآب والابن. وأن كل ما يُعطى يُعطى بالابن، وما من شيء يعمله الآب من دون الابن، لأنه بهذه الطريقة تكون النعمة مضمونة لمن يتقبلها[306].

القديس أثناسيوس الرسولي
نعمة ميراث الملكوت

غاية خلقتنا هي تمتعنا بالخلود مع الله أبينا، يكون لنا نصيب في أحضانه الإلهية. هذا ما شغل قلب ربنا يسوع المسيح وفكره، محتملاً عار الصليب عوضًا عنا لننعم بنعمة الملكوت أبديًا. ولا يزال مسيحنا في السماء يعد لكل واحدٍ منا موضعًا، فهو مشغول بميراثنا الأبدي.

v كيف حصلنا على النعمة "قبل الأزمنة الأزلية" بينما لم نكن قد خلقنا بعد، بل خلقنا في الزمن، لو أن النعمة التي وصلت إلينا لم تكن مودعة في المسيح؟لهذا ففي الدينونة، عندما ينال كل واحد بحسب عمله يقول: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم"(مت 25: 34). كيف إذا أو بواسطة من أعد الملكوت قبل أن يخلقنا؟ إن لم يكن بواسطة الرب الذي به تأسيس قبل الدهور لأجل هذا الغرض، لكي ببنياننا عليه كحجارة ملتئمة نشترك في الحياة والنعمة الممنوحتين[307].


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:22 am

إذ يحدثنا القديس يوحنا الذهبي الفم عن نعمة ميراث الملكوت يوضح لنا أننا في هذا الملكوت الأبدي نتمتع بنعمة عدم الفساد، فلا نُحرم من الجسد الذي اشترك في الجهاد مع النفس وتقدس معها بعمل روح الله القدوس، إنما يُنزع كل أثر للفساد فيه، حاملاً طبيعة عدم الفساد اللائقة بالحياة الأبدية.

v يريد أن يقول: إني أخلع ما هو غريب عني، والغريب ليس هو الجسد، ولكن الفساد. ولهذا يقول: لسنا نريد أن نخلعها (أي خيمة الجسد) ولكن أن نلبس فوقها، أي نلبس عدم الفساد. إذن نخلع الفساد ونلبس عدم الفساد. فهو يريد أن ينبذ ما جاء نتيجة الخطية، وفي الوقت نفسه يكتسب كل ما أعطته النعمة الإلهية.

ولكي نعلم أن الخلع لا يقوله من جهة الجسد بل يقوله من جهة الفساد والموت، اسمع ما يقوله بعد ذلك مباشرة: "إذ لسنا نريد أن نخلعها بل نلبس فوقها"، ولم يقل: لكي يُبتلع الجسدي من اللاجسدي، لكن ماذا يقول؟ "لكي يُبتلع المائت من الحياة". لهذا فهو لا يتحدث عن خلع الجسد بل عن خلع الموت والفساد. فالحياة التي تأتي إلى الجسد (بالقيامة) لن تبيد الجسد، بل الفساد والموت اللذين في الجسد.

إذن فالأنين ليس بسبب الجسد، بل بسبب الفساد الموجود في الجسد. فالجسد هو عبء ثقيل لا بسبب طبيعته، بل بسبب الفساد الذي دخله فيما بعد. والجسد بحد ذاته لم يُجعل للفساد بل لعدم الفساد. وهو يحمل تلك الخاصية حتى حين صار قابلاً للفساد. ولذلك فإن ظل الرسل كان يطرد القوات غير الجسدية، والملابس التي كانت تستر أجسادهم كانت تشفي المرضى وتعيدهم أصحاء. لا تحدثوني عن أمراض الجسد والأمور الأخرى التي يذكرها الذين يتكلمون ضد الجسد، لأن كل هذه الأمور لم تكن من طبيعة الجسد، بل هي بسبب الفساد الذي دخل الجسد فيما بعد.

لو أردتم أن تعرفوا حقيقة الجسد وقيمته، دققوا النظر في خلق أعضاء الجسد وشكل هذه الأعضاء ودقائق أعمالها بتوافق وتناسق وانسجام، فإنك عندئذ ستتأكد أن أداء هذه الأعضاء والتوافق فيما بينها هو أمر أكثر مثالية وأمل من مدينة تحترم قوانينها ومواطنيها جميعًا من الحكماء[308].

القديس يوحنا الذهبي الفم
نعمة الخلود فيه

v لكن الآن قد صار الكلمة إنسانًا، وأخذ ما يخص الجسد، فلم تعد تلك الأشياء تمس الجسد بسبب اللوغوس الذي سكن فيهم، والتي أُبيدت بواسطته. فلم يعد البشر خطاة وأمواتًا بعد بحسب الأهواء الخاصة بهم، بل إذ قاموا بحسب قوة اللوغوسظلوا عديمي الموت، وعديمي الفساد إلى الأبد.

وإذ قد أخذ الرب جسدًا من مريم والدة الإله، فإن الذي أعطى الآخرين أصل حياتهم، قيل عنه هو نفسه أنه قد وُلد، ليصبح هو ذاته أصلنا، فلا نعود نرجع إلى الأرض بعد باعتبارنا مجرد تراب من الأرض، لكن إذ اتحدنا باللوغوس نقل هو إلى ذاته ضعفات الجسد الأخرى أيضًا، حتى تكون لنا شركة في الحياة الأبدية، لا كبشر، بل كمن ينتمي إلى اللوغوس.

لأننا لا نموت بعد في آدم بحسب نشأتنا الأولي، بل إذ قد تحول أصلنا وضعف جسدنا إلى اللوغوس، نقوم من التراب، إذ زالت عنا لعنة الخطية بسبب ذاك الذي هو فينا والذي صار لعنة من أجلنا.

فإننا نحن جميعًا الذين من الأرض نموت في آدم، وإذ قد تجددنا من فوق، حيث أُعيد أصل نشأتنا من الماء والروح، فقد أحيينا في المسيح، ولم يعد الجسد ترابيًا بعد، بل إنه تأله (إذ صارت له خاصية اللوغوس)، بسبب حكمة الله، الذي لأجلنا صار جسدًا[309].

القديس أثناسيوس الرسولي

v لأنك إن عارضت أمر خلاصي من الفساد بالطبيعة، فأنظر لئلا تعارض كلمة الله الذي رفع عني صورة العبودية، لأنه الرب الذي أخذ جسدًا، وصار إنسانًا. فإننا نحن البشر بالمقابل، وقد تألهنا باللوغوس إذ أُخذنا فيه بواسطة جسده، وهكذا من الآن فصاعدًا سنرث الحياة الأبدية[310].

القديس أثناسيوس الرسولي
نعمة التمتع بمعرفة الحق الإلهي

خلق الله في الإنسان حنينًا نحو التعرف على الحقيقة غير المتغيرة، فقدم السيد المسيح نفسه بكونه "الحق". من يقتنيه يتمتع بمعرفة الحق كنعمة إلهية مجانية.

v نحن نعلم أن الابن قد جاء، وأعطانا بصيرة لنعرف (الله) الحق، ونحن في الحق، في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية (1 يو 5: 20). ونحن قد صرنا أبناء في الابن بالتبني والنعمة، لأننا نشارك في روحه، إذ أن "كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه" ( يو 1: 12). ولهذا أيضًا فالابن هو الحق إذ يقول "أنا هو الحق" وفي حديثه إلى الآب يقول: "قدسهم في حقك، كلمتك هو حق" (يو 14: 6؛ 17: 17)، ونحن بالمحاكاة نصير خيرين وأبناء[311].

v لهذا كان واضحًا للكل أن البشر حقًا جاهلون، لكن اللوغوس ذاته باعتباره الله الكلمة، يعرف كل شيء حتى قبل حدوثه. لأنه حينما صار إنسانًا لم يكف عن أن يكون هو الله، ولم يستنكف من أمور الإنسان بكونه هو الله، بئس هذا الفكر. بل بالأحرى، إذا هو الله، قد أخذ لذاته الجسد، وإذا هو في الجسد فإنه يؤله هذا الجسد. لأنه كما سأل أسئلة هكذا أيضًا أقام الميت، وأظهر للكل أن الذي يحيي الميت ويستدعي روحه، يعرف بالأكثر أسرار الجميع. إنه يعرف حقًا أين يرقد لعازر، ومع هذا يسأل، لأن لوغوس الله الكُلى القداسة، الذي احتمل كل شيء لأجلنا، إنما قد فعل ذلك، حتى بأخذه جهلنا، يهبنا نعمة المعرفة، معرفة أبيه الحقيقي وحده، ومعرفته أنه هو الابن المرسل لأجل خلاصنا جميعًا. فأية نعمة أعظم من هذه النعمة؟[312]

القديس أثناسيوس الرسولي

v "لأنه ابتهج قلبي، واسترخت حقواي، وصرت كلا شيٍء، ولا أعرف وصرتُ كبهيمٍ عندك، ولكني دائمًا معك" (مز21:73-23)... هكذا يبدو الإنسان بهيمًا أعجمًا بالمقارنة لا أقول بالمسيح، بل حتى بالملائكة، لكن حتى إن كان الأمر كذلك، لا نيأس، لأن الربَ يحفظ البشرَ والبهائم كليهما معًا. (مز 6:36). ومن ثم فلأنني لم أتعلم من ذاتي بل منك، فإنني ألتصق بك دومًا حتى أكف عن أكون بهيمًا، وحينئذ تقول لي: "وأما أنت فقفْ هنا معي"! (تث 31:5) فالإنسان الذي بجهله انحدر إلى الحماقة ونقص المعرفة، الذي يوزن بميزان البهيمة، يبدأ من جديد فيصير إنسانًا، حينما تشمله نعمة الله، فهو حقًا إن اقتدر بالعقل والنعمة، لأثبت أنه إنسانًا بتلك الحقيقة عينها. ومن ثم يتهلل أنه انفصل عن الحيوانات العجماوات، ودخل في شركة البشر الذين يفتقدهم الله ويحميهم. لأنه ما هو الإنسان إلا الذي يفكر الرب فيه ويفتقده؟ (قابل مز 4:Cool[313].

القديس أمبروسيوس

v سريعًا ما تنحل رباطات الجهل خلال الإيمان البشري والنعمة الإلهية، وتُمحى خطايانا بدواء الله الكلمة.فنُغتسل من كل خطايانا، ولا نعود بعد فنكون مرتبكين في الإثم. لا تعود شخصياتنا تبقى كما كانت كسابق عهدها قبل الغسل. فإن المعرفة تبرز للوجود جنبًا إلى جنب مع الاستنارة، ففي لحظة نسمع نحن غير المتعلمين أننا صرنا تلاميذ المسيح. فإن الإرشادات تؤدي إلى الإيمان، ونتعلم الإيمان مع العماد بالروح القدس. هذا الإيمان هو الخلاص الجامع الواحد للبشرية.

القديس إكليمنضس السكندري
نعمة الثبوت في الآب والابن

v "بهذا نعرف أننا نثبت في الله وهو فينا إنه قد أعطانا من روحه" (1 يو 4: 13)، لهذا فإنه بسبب نعمة الروح القدس التي أعطيت لنا، نصبح نحن في الله وهو فينا، حيث أن المقصود هنا هو روح الله الذي من خلال مجيئه ليصير فينا، نُعتبر نحن أيضًا في الله والله فينا إذ لنا الروح.

v هكذا إذن لا نكون في الآب مثل الابن الذي هو كائن في الآب، لأن الابن ليس شريكًا للروح حتى يصبح نتيجة لذلك في الآب، ولا هو متقبل للروح القدس مثلنا، بل أن الابن بالأحرى يعطى الروح القدس للجميع.

وليس الروح هو الذي يربط كيان اللوغوس بالآب، بل أن الروح القدس بالأحرى هو الذي يأخذ من اللوغوس. لأن الابن كائن في الآب بصفته كلمته الذاتي وإشعاعه، بينما نحن بدون الروح القدس غرباء عن الله، بعيدون عنه وبشركتنا في الروح نتحد بالله.لهذا فإننا نصير في الآب ليس من أنفسنا، بل من الروح القدس الذي فينا، والذي نحفظه ثابتًا فينا من خلال الاعتراف، كما يقول يوحنا أيضًا: "من يعترف أن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه، وهو في الله" (1يو 4: 15)[314].

القديس أثناسيوس الرسولي
نعمة الشبع والفرح

"صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً، إذ قيل لي كلَ يوم: أين إلهك؟" (مز 42 :3)، وبحق دُعيتْ الدموعُ هنا خبزًا، حيثُ الجوع إلى البرّ. "طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ، لأنه يُشبعون" (مت 5: 6)، لهذا توجد دموع بمثابة خبزٍ، تقَّوى وتسند قلبَ الإنسان (قابل مز 104 :15)، ومقولة الجامعة المأثورة تناسب المقامَ هنا أيضًا "الِق خبزك على وجه المياه" (جا 11 :1LXX)، لأن خبزَ السماء هناك، حيث مياه النعمة. حقا أن أولئك الذين تتدفق من بطونهم أنهار ماء حَّية (قابل يو 7: 38؛ 4:10)، سوف ينالون عون الكلمة (الإلهي) وتعضيده، وقوتًا من نوعٍ سري (باطني). أيضا يوجد هذا الخبز الحي، (قابل يو 6: 51)، حيث هنا مياه الدموع والبكاء، بكاء التوبة. لأنه لهذا كُتب: "بالبكاء يأتون وبالعزاء أعيدهم" (إر 31: 9LXX). لهذا طوباهم الذين خبزهم الدموع؛ لأنهم يستحقون أن يضحكوا؛ لأنه "طوبى للباكين!" (لو 6: 21)[315].

"لأني سأدخل موضعَ الخيمة العجيبة، إلى بيت الله، بصوت الفرح والحمد، بصوت جمعٍ معيَّد واحد." (مز 42:4). بكى بحق لأنه يسكن الأرض، بينما تنتظره المظال السماوية، حيث يدخل في الوقت المناسب إلى قدس القدير. (قابل مز 84:2، 3،10). بالحقيقة فضل وآثر ذلك الموضوع على كل ثروةِ مملكته، كما شهد هو قائلاً في نصٍ آخر: "واحدةً سألتُ من الرب، وإياها التمس أن أسكن في بيت الرب كلَ أيام حياتي، لكي أنظر إلى فرحِ الرب" (مز 27: 4)، فرحُ الربِ في الكنيسة.

الكنيسة أيقونة السماويات، بعد أن يزول الظل حقًا تظهر الأيقونة جلَّيةً. (قابل عب 10 :1، كو 2: 17). والظل هو المجمع اليهودي. وفي الظل الناموس، لكن في الإنجيل الحق. لهذا فإن أيقونةَ الحق تسطع في نور الإنجيل، لهذا بكى المرتل بسبب تأجيل الخيرات التي امتلأت حتى الحافة كاملةً بالنعمة والفرح[316].

القديس أمبروسيوس


نعمة النور

تعبر النفس من الخطأ إلى الحق، وتتبدل صورة حياتها المظلمة إلى نعمة فائقة. انتقل بولس الرسول عروس المسيح من الظلمة إلى النور، إذ يقول لتلميذه تيموثاوس، كما العروس لوصيفاتها، إنه قد صار مستحقًا إن يكون جميلاً، لأنه كان قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا ومظلمًا (1 تي 13:1). ويقول بولس الرسول أيضًا أن المسيح جاء إلى العالم لينير للذين في الظلمة. لم يدعُ المسيح أبرارًا بل خطاة إلى التوبة، الذي جعلهم يضيئون كأنوار في العالم (في 15:2)، بحميم الميلاد الثاني الذي غسلهم من صورتهم السوداء الأولى[317].

زارت ملكة أثيوبيا سليمان بعد ما سمعت عن حكمته، وقدمت له هدايا من الذهب والأحجار الكريمة والعطور (1 مل 1:10-3)، ويتضح سرّ هذه الزيارة من دراسة عجائب الإنجيل. لأنه من لا يعرف أن الكنيسة جاءت من مجتمع الظلمة من بين الأمم عابدي الأصنام، الذين عاشوا بعيدًا عن معرفة اللّه وكانوا منفصلين عنه بخليج الجهل العظيم. ولكن عندما أضاءت نعمة اللّه وحكمته، وأرسل النور الحقيقي أشعته إلى من كانوا في الظلمة وظلال الموت. أغمضت إسرائيل عيونها للنور، ورفضت أية مشاركة في الخير. لكن الأثيوبيين أسرعوا إلى الإيمان من بين الأمم، الذين كانوا بعيدون اقتربوا بعدما غسلوا أنفسهم من الظلمة بالمياه المقدسة. لقد اقتادهم الروح القدس إلى اللّه وقدموا هدايا للملك: بخور النسك والعبادة وذهب معرفة اللّه الملك وأحجارًا كريمة للوصايا وعمل الفضيلة[318].

القديس غريغوريوس النيسي
نعمة الكرازة والشهادة

v لماذا لم تُرسل الملائكة في مهمة الكرازة بالإنجيل؟ لكي لا يكون للإنسان عذر في كسله أو إهماله، فيُبَرر نفسه بحُجة اختلاف الطبيعة البشرية عن الطبيعة الملائكية، لأن الفرق عظيم.

من العجيب حقًا إن الكلمة المنطوقة من لسان ترابي لها القدرة على اقتلاع الموت، وغفران الخطايا، وإعادة النظر للعميان، وتحول الأرض سماءً، وهذا يجعلني أتعجب من قدرة الله ويزداد إعجابي وإكرامي لغيرة بولس لنواله تلك النعمة وتهيئة نفسه وإعدادها حتى يستحق نوالها.

إني أُحثٌك لا لتتعجَب، بل لتقتدي بالمثال الأعلى للفضيلة، وبهذه الطريقة تستحق أن تُشاركه في إكليله، ولا تُفاجأ بأنه يمكن لأي شخص أن يصير كبولس في خدمته لو تمثٌل واقتدى به، فيردد في قلبه كلمات بولس: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيرًا قد وضع لي إكليل البرّ، الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل، وليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا" (2 تي 4: 7، Cool.

رأيت كيف يدعو الجميع لمشاركته في إنجازاته، وبالتالي فالمكافأة أيضًا معروضة ومفتوحة للجميع.

فلنجتهد جميعنا لنثبت استحقاقنا للبركات الموعودة لنا، ولننظر ليس فقط لعظمة ومجد الحياة في الفضيلة، لكن نتأمل أيضًا في ثبات الهدف الذي من خلاله نحقق هذه النعمة. ولنعرف أن بولس لم يختلف عن طبيعتنا بأية حال من الأحوال، ولكنه كان مثلنا، وهذا يجعل ما يبدو صعبًا ومستحيلاً بالنسبة لنا قد صار سهلاً وخفيفًا، لأنه بعد هذا الوقت القصير من العمل والجهاد سنرتدي إكليل عدم الفساد الأبدي بواسطة نعمة وصلاح ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والكرامة الآن وكل أوانٍ وإلى أبد الآبدين. آمين[319].

القديس يوحنا الذهبي الفم

الآن نراه يكشف الحديث عن دور كنسي، لأن أولئك الذين أرشدتهم النعمة وقد صاروا شهودًا للكلمة لا يكتموا الحق محتفظين به لأنفسهم، بل بالأحرى يبشرون به آخرين ممن لحقوهم. لذلك تقول العذارى للعروس التي تمتعت أولاً بالصلاح إذ التقت بالكلمة وجهًا لوجه، واستحقت أن تتعرف على الأسرار الخفية: "نبتهج ونفرح بك، نذكر حبك أكثر من الخمر" (نش 4:1)[320].

القديس غريغوريوس النيسي
نعمة ديناميكية

من أجلنا قيل عن السيد المسيح: "وكان الصبي ينمو ويتقوى بالروح ممتلئًا حكمة، وكانت نعمة الله عليه" (لو 2: 40)، وأيضًا: "وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والنعمة عند الله والناس" (لو 2: 52). وكما يقول العلامة أوريجينوس: [لقد أخلي ذاته وأخذ شكل العبد (في 7:2)... وبالقدرة التي بها أخلي ذاته نما أيضًا.] هكذا يدخل بنا إلى طريق النمو الدائم في النعمة. فالنعمة فينا هي عمل الله المستمر الديناميكي غير المتوقف.

v المقصود بالنمو إذن هو نمو الجسد، لأنه بنمو جسد المخلص يُستعلن الله أكثر فأكثر (من خلال بشرية المخلص) لمن يرونه. وإذا يُستعلن اللاهوت أكثر فاكثر، هكذا بالأحرى تزداد نعمة بشريته بالأكثر كإنسان أمام جميع الناس. لأنه كطفلٍ حُمل إلى الهيكل، ولكن حينما صار صبيًا بقى في الهيكل وناقش الكهنة حول الناموس "حتى بهتوا من فهمه وأجابته"(لو 2: 47) [321].

القديس أثناسيوس الرسولي

v ينمو الطفل يسوع المولود بداخلنا بمختلف الطرق في الحكمة والقامة والنعمة في قلب من يستقبله ليسكن فيه (لو 52:2).

يسكن المسيح في كل قلب نقي، ولكن بصورة مختلفة حسب قامة الإنسان الذي يسكن بداخله. يظهر ذاته حسب طاقة كل إنسان. فإنه يأتي كطفلٍ أو كصبيٍ أو كإنسانٍ ناضجٍ على مثال العناقيد.

لا يظهر المسيح بنفس الصورة على الكرمة، لكنه يغير هيئته مع مرور الوقت الآن تبرعم، لقد نبت، ثم نضج، وصار يانعًا، وأخيرًا صار خمرًا.

إذ يحمل الكرم ثمرته يحمل معها وعدًا، حقًا إنه لم ينضج بعد ليعطي خمرًا، ولكنه ينتظر مرحلة النضوج. وفي الوقت ذاته لا يحرمنا من السرور، لأنه يفرح حاسة الشم بدلاً من التذوق باعتبار ما سيكون؛ خلال عطر الرجاء يعطى عذوبة لحواس النفس.

إن الإيمان الثابت بالرجاء في النعمة يصير بهجة لنا، نحن الذين ننتظر في صبر. وهكذا فإن الطاقة الفاغية تحمل وعدًا بالخمر. إنها ليست بعد خمرًا، لكنها تنبت نبته الرجاء. إنها تنتظر نعمة لم تأتِ بعد[322].

v وبالرغم من أن المرحلة التي بلغ إليها الشخص الآن أعلى في الحقيقة مما كان عليه سابقًا، إلا أن هذه المرحلة لا تحد من تقدمه، لكنها تصبح بداية لاكتشاف نعمة أعلى.

فالشخص الذي يرتفع لا يقف أبدًا ساكنًا. إنه يتحرك من إحدى البدايات إلى التي تليها، وبدايات النعمة الأعلى ليست محدودة. لذلك فرغبة النفس التي ترتفع تزداد في المعرفة وفي الرغبة في الارتفاع إلى مستويات أعلى، وتستمر في النمو محققة التقدم إلى الغير محدود[323].

القديس غريغوريوس النيسي
نعمة جامعة

v "صرت كل شيء لكل البشر، لكي أربح الكل" (١ كو ٩: ٢٢). تمطر النعمة الإلهية على الأبرار والأشرار (مت ٥: ٤٥).

هل هو إله اليهود وحدهم، أم إله الأمم أيضًا؟ نعم هو إله الأمم أيضًا، بالحقيقة هو الله الواحد (رو ٣: ٢٩–٣٠)، هذا ما يعلنه الرسول السامي[324].

القديس اكليمنضس السكندري

v شكرًا لله، فإنه وإن كانت نعمة النبوة قد اقتصرت على إسرائيل، صارت الآن نعمة أعظم من كل ما كان لهم، انسكبت على الأمم بيسوع المسيح[325].

العلامة أوريجينوس

تأملوا نقطة أخرى، "إنما صالح الله لإسرائيل، لأنقياء القلب" (مز 1:73). فهل الله ليس صالحًا للجميع إذن؟ حقًا هو صالح للكل، لأنه مخلص جميع البشر، خاصة للمؤمنين. لهذا أتى الرب يسوع ليخلص ما قد هلك (لو 10:19).

حقًا جاء ليحمل خطية العالم" (يو 29:1)، ويشفي جراحتنا، لكن ليس الجميع يرغبون في العلاج!

كثيرون يتجنبونه! لئلا يحقن القرح بالعقاقير، ويفقد سطوته. لهذا السبب يشفي الذين يريدون الشفاء ولا يرفضونه.

فمن يرغبون في العلاج يستعيدون صحتهم، أما الذين يقاومون الطبيب ولا يطلبونه لا يتمتعون بصلاحه، لأنهم لا يختبرونه!

من نال الشفاء يستعيد صحته، لهذا فالطبيب صالح بالنسبة للذين أعاد إليهم عافيتهم. من ثمة الله صالح لأولئك الذين غفر خطاياهم، لكن إن كان لإنسان خطية لا علاج لها في روحه، فكيف يُقيّم الطبيب على إنه صالح، بينما هو يتحاشاه؟

لهذا كما قلت قبلاً، شرح الرسول بحق أن الله "الذي يريد أن الجميع يخلصون" (1 تي 4:2)، هو صالح لكل الناس. أما نعمة صلاح الله الخاصة فهي مكفولة بالأكثر لجميع المؤمنين، الذين ينالون عونًا من إرادته الصالحة ونعمته. لكن حين يقول المرتل أيضًا: "إنما صالح الله لإسرائيل، لأنقياء القلب" فإنه ينقل مشاعر الذين لا يعرفون كيف يتمتعون بما يخص الله، عدا إنه صالح نحو كل شيء وهو في الكل[326].

القديس أمبروسيوس
واهب النعمة يطلب النعمة لحسابنا

عندما يقول المخلص إذن، بحسب الأقوال التي يتذرعون بها، "دُفع إلى كل سلطان" (مت 28: 18) و"مجد ابنك" (يو 17: 1)، وحينما يقول بطرس "وسلاطين وقوات مخضعة له" (1 بط 3: 22)، يجب أن نفهم كل تلك النصوص بنفس المعنى، أعني أن المخلص يقول ذلك كله بشريًا، بسبب الجسد الذي لبسه، إذ أنه وهو غير المحتاج قيل عنه رغم ذلك إنه نال ما ناله بشريًا.

هكذا أيضًا، فبقدر ما نال الرب، وبقدر ما تستقر النعمة عليه، تبقي النعمة محفوظة لحسابنا، لأن حينما يأخذ الإنسان بمفرده، فهناك احتمال فقدان ما أخذه، وقد ظهر ذلك في حالة آدم، لأنه بعد أن نال خسر ما ناله.

ولكي تصير تلك النعمة بلا استرداد، وتظل محفوظة للبشر فقد أخذ المخلص العطية لنفسه وقال إنه قد أخذ سلطانًا كإنسانٍ، ذلك السلطان الذي يمتلكه على الدوام كإله.

ومن يمجد الآخرين يقول: "مجدني"، ليظهر أن له جسد في حاجة إلى السلطان والمجد. ومن هنا فحينما يأخذ الجسد (شيئًا ما)، ولأن ذلك الجسد الذي يأخذ خاص بالمخلص الذي صار إنسانًا، لهذا قيل إن المخلص هو الذي نال ما ناله[327].

القديس أثناسيوس الرسولي





_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:23 am

إن كان اللوغوس قد حلّ بيننا لكي يفدي البشر، وصار جسدًا لكي يُقدسهم ويؤلههم (لأنه لأجل هذا حقا قد صار جسدًا). فإنه يبدو جليًا للجميع، إنه حينما صار جسدًا نال مواهب الروح لأجلنا، وليس لأجله هو، لأن مواهب الروح التي يعطيها الآب بواسطة الابن كانت تُعطى لأجل ذلك الجسد، الذي كان يلبسه حينما تحدث.

لكن لنتأمل ما طلبه الرب، وماذا كانت تلك المواهب التي قيل إنه نالها، حتى يعود (أولئك الهراطقة) إلى رشدهم. لقد سأل إذ طلب المجد(يو17: 1)، ومع هذا قال: "كل شيء قد دُفعإليّ من أبي" (لو 10: 22). وبعد القيامة، يقولإنه نال كل سلطان في السماء وعلى الأرض(أنظر مت 28: 18). لكنه حتى قبل ذلك قال فعلاً: "دُفع إليّ كل شيء"، إذ إنه رب الجميع، "لأن كل شيء به كان" (يو 1: 1)، ويوجد "رب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به"(1كو8: 6). وحينما كان يطلب المجد، كان هو رب المجد، كما هو دائمًا كما يقول بولس: "لو عرفوا لما صلبوا رب المجد"(1كو2: Cool. وحين طلب المجد بقوله: "مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" فإن ذلك المجد كان له أصلاً[328].

القديس أثناسيوس الرسولي

من وحي يو 1
قلبي متعطش إليك يا واهب النعم

v مالي أراك قادمًا إلى عالمنا.

يستحيل عليّ أن أرتفع إلى سماواتك!

لكن حبك أنزلك إليّ، يا أيها الكلمة الخالق!

حللت على أرضي، لترافقني رحلتي!



v تجسدك أعلن حبك العجيب لي،

ألهب قلبي، فصرت متعطشًا إليك يا واهب النعم!

أنت حياتي، بدونك لا وجود لي.

أنت نوري، بدونك أبقى في ظلمة فسادي.

حسبتني من خاصتك، ونزلت إليّ لألتصق بك!



v أقمتني بنعمتك الفائقة،

كل نعمة من عندك تسحبني لأتمتع بفيضٍ جديدٍ من النعم.

وهبتني وجودي من العدم،

أنعمت عليّ بصورتك ومثالك،

قدمت لي الناموس عونًا، يقودني للشعور بالحاجة إليك.

أخيرًا، قدمت لي ذاتك يا واهب النعم!

فتحت عيني لأشاهد مجد جلالك!

بهاؤك يعلن لي أنك ابن الله الوحيد!



v انفتحت أذناي لأسمع النذير، الصوت الصارخ في البرية!

يا له من صوت يدوي كما في صحراء قاحلة،

لكنه صوت عذب، يسبقك أيها الكلمة الإلهي.

صوته يعلن عن الحق،

أنك أزلي، واحد مع أبيك.

صوته يعلن عجزه عن أن يحل سيور حذائك،

لأنه بقي سرّ تجسدك غامضًا حتى تممت الخلاص بالصليب.

اسمح لي أن أتقدم وأحل سيور حذائك،

حيث يكشف لي روحك القدوس عن أسرار خلاصك!



v عرفك الجنين يوحنا فصرخ متهللاً.

سمعت أليصابات صوته في داخلها، فانفتح لسانها بالتسبيح!

لكنه حسب هذه المعرفة كلا شيء بعدما تمتع بعمادك!

عرفك أنك أنت تعمد بالروح القدس الناري.

أنت وحدك تغسل النفس بماء فريد،

وتلهب القلب بنار روحك القدوس.



v سحب نذيرك عيون الكل إليك، صارخًا:

هوذا حمل الله الذي طالما اشتاق الأنبياء إليه!

هوذا حمل الله موضع سرور الآب!



v سُرّ يوحنا حين انسحب تلاميذه إليك ليمكثوا معك.

وتهللت نفسه، إذ رأى كل تلميذ يشهد لك.

تحركت قلوبهم لتسحب بعضها البعض إليك.

مع نثنائيل ترك الكل ظلال شجرة التين اليابسة،

وجاءوا إليك ليروا ملائكتك تصعد وتنزل عليك!

رأوا السماء مفتوحة، والسمائيون يشتهون أن يخدموك!

نعم وأنا قلبي متعطش إليك،

لن يرتوي إلا بك، يا مصدر النعم!

الباب الثاني

خدمة ابن اللَّه العامة

أو

سفر الآيات

آياته وأعماله

تعلن عن لاهوته

ص 2- ص 1
سبع مراحل وسبع آيات

سبع مراحل

يرى البعض أن القديس يوحنا يتحرك في قوة وجرأة ليلتقط من أعمال السيد المسيح ومقالاته سبع آيات خلال سبع مراحل متمايزة.

المرحلة الأولى: البداية الجديدة (ص 2- ص 4)

يُعرف إنجيل يوحنا بإنجيل التجديد، ويُدعى سفر التكوين للعهد الجديد، أو سفر التكوين المسيحي، حيث يقدم لنا قصة تجديد الخليقة بقوة. ففي هذه المرحلة نجد عدة لقاءات للسيد المسيح يركز فيها السيد على التجديد:

v اللقاء الأول في قانا الجليل، حيث يقدم حياة مسيانية جديدة متهللة.

v اللقاء الثاني في الهيكل، حيث يشير إلى هيكل جديد مُقام (اتحاد مع القائم من الأموات).

v اللقاء الثالث مع نيقوديموس، حيث يعلن عن الحاجة إلى الميلاد الجديد من الماء والروح.

v اللقاء الرابع مع المرأة السامرية عند البئر، حيث يكشف عن العبادة جديدة بالروح والحق.

في كل هذه اللقاءات يبرز عنصر الجدة. ما أعلنه هنا بالأعمال والحوار هو امتداد وتحقيق لما نادى به في الموعظة على الجبل عن تجديد فهمنا للوصية: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء...وأما أنا فأقول لكم..." (مت 5: 21-22)، وما ورد في إنجيل مرقس الرسول: "ليس أحد يخيط رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق، وإلا فالملء الجديد يأخذ من العتيق، فيصير الخرق أردأ. وليس أحد يجعل خمرًا جديدة في زقاق عتيقة، لئلا تشق الخمر الجديدة الزقاق، فالخمر تنصب والزقاق تتلف، بل يجعلون خمرًا جديدة في زقاق جديدة" (مر 2: 21-22).

هكذا يقدم لنا الإنجيل السيد المسيح واهب الحياة المسيانية الجديدة والهيكل الجديد المُقام والميلاد الجديد والعبادة الجديدة والوصية الجديدة.

المرحلة الثانية: يسوع الكلمة واهب الحياة (ص 4: 43- ص 5:47)

إذ يقدم الكلمة الإلهي التجديد في كل جوانب الحياة يحتاج المؤمن إلى السيد المسيح كواهب الحياة.

تحوي هذه المرحلة ثلاثة فصول تحث عن التمتع بكلمة اللَّه واهب الحياة:

v شفاء ابن خادم الملك الذي كان في حكم الأموات، إذ كانت حياته في خطرٍ (ص 4).

v شفاء مفلوج بيت حسدا الذي عانى من الفالج 38 عامًا، حيث كانت حياته أقرب إلى الذين دُفنوا في القبور (ص 5).

v حديث المسيح عن نفسه كواهب القيامة (ص 5: 19-47).

المرحلة الثالثة: يسوع خبز الحياة السماوي (ص 6)

يحتاج الإنسان إلى النمو الدائم حتى يحيا ولا يموت، هذا الذي لن يتحقق بدون تناول الطعام اليومي. لذلك اشبع السيد المسيح الجموع بالخبزات القليلة، والتقى مع تلاميذه وهو سائر على المياه، وأخيرًا حدّثهم عن نفسه أنه الخبز السماوي، من يأكل منه لا يجوع، بل يتمتع بالشبع أبديًا، فيتمتع بنموٍ دائم لا ينقطع.

المرحلة الرابعة: يسوع المرفوض (ص 7 – ص Cool

بينما يهتم السيد بأن يقدم للإنسان الحياة الجديدة والخبز الجديد لكي يحيا معه في سمواته في نموٍ دائم، لا يطيق الإنسان اللقاء معه. فقد جاء الابن الوحيد الجنس متجسدًا لأجل خاصته، وخاصته لم تقبله. ففتح الباب للأمم لكي يصير الكل من خاصته. هكذا يبقى مسيحنا مرفوضًا مع كنيسته عبر الأجيال، ويبقى هو خادمًا حتى لرافضيه، باسطًا يديه لهم بالحبٍ، حتى يقبلوا الشركة معه.

المرحلة الخامسة: يسوع نور العالم (ص 9 – ص 10)

يود السيد المسيح أن يقدم لهم المعرفة الصادقة للحق، حتى تستنير أعينهم. حقًا إن الذين يدركون عماهم ينالون منه النور كنعمةٍ مجانية، أما الذين يدعون التمتع بالبصيرة فيبقون في ظلمة عماهم.

المرحلة السادسة: يسوع القيامة (ص 11)

آخر عدو يهدد حياة الإنسان هو الموت، لذلك لن يتوقف السيد المسيح عن العبور إلى مقابرنا لكي يقيمنا، مؤكدًا لنا أنه غالب الموت وقاهر الجحيم.

المرحلة السابعة: واهب الحياة خلال الموت (ص 11: 55 – ص 12:50)

سبع آيات

يضم هذه القسم 7 معجزات:

1. تحويل الماء خمرًا في عرس قانا الجليل (2).

2. شفاء ابن خادم الملك (4).

3. شفاء مفلوج بيت حسدا (5).

4. إشباع الجموع (6).

5. السير على المياه (6).

6. شفاء المولود أعمى (9).

7. إقامة لعازر (11).

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:24 am

شرح الكتاب المقدس - العهد الجديد
يوحنا 2 - تفسير إنجيل يوحنا

* تأملات في كتاب يوحنا:
تفسير إنجيل يوحنا: مقدمة إنجيل يوحنا | يوحنا 1 | يوحنا 2 | يوحنا 3 | يوحنا 4 | يوحنا 5 | يوحنا 6 | يوحنا 7 | يوحنا 8 | يوحنا 9 | يوحنا 10 | يوحنا 11 | يوحنا 12 | يوحنا 13 | يوحنا 14 | يوحنا 15 | يوحنا 16 | يوحنا 17 | يوحنا 18 | يوحنا 19 | يوحنا 20 | يوحنا 21 | ملخص عام | مراجع البحث

نص إنجيل يوحنا: يوحنا 1 | يوحنا 2 | يوحنا 3 | يوحنا 4 | يوحنا 5 | يوحنا 6 | يوحنا 7 | يوحنا 8 | يوحنا 9 | يوحنا 10 | يوحنا 11 | يوحنا 12 | يوحنا 13 | يوحنا 14 | يوحنا 15 | يوحنا 16 | يوحنا 17 | يوحنا 18 | يوحنا 19 | يوحنا 20 | يوحنا 21 | يوحنا كامل
العريس مفرح النفوس
عرس قانا الجليل

في الأصحاح الأول قدم لنا الإنجيلي يوحنا بكور التلاميذ، الآن يقدم لنا بكر المعجزات ألا وهي معجزة تحويل الماء خمرًا في عرس قانا الجليل في بدء خدمته، حيث بدأ عصرًا جديدًا مسيانيًا، فيه تتحول مياه التطهيرات حسب الناموس القديم إلى خمرٍ من صنف جديد.

كان اليهود يترقبون العصر المسياني المتسم بالفيض من الخيرات مع الفرح الفائق للطبيعة. وقد عُبر عن ذلك في باروخ الثاني 29: "يوجد على كل كرمة ألف غصن، وكل غصن يحمل ألفًا من العناقيد، وكل عنقود يحمل ألفًا من العنب، وكل عنبة تحوي كورًاcor (حوالي 120 جالون) من الخمر... هذه ستكون للذين في نهاية العالم". وقد استقى بابياس هذه الفكرة عندما تخيّل مجيء المسيح على الأرض ليملك ألف عام وما تحويه مملكته من كروم خيالية[329].

في الإنجيل بحسب القديس مرقس بدأ السيد المسيح خدمته إذ "جاء يسوع إلي الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله" (مر 1:14). وهنا يحدثنا الإنجيلي عن بدء هذه البشارة المفرحة بحضوره في عرس بقانا الجليل وتحويل الماء إلى خمر. كرز بحضوره، وكرز برد البهجة علي العروسين وأهلهما وأصدقائهما. فإن ملكوت السموات يشبه عشر عذارى "خرجن لاستقبال العريس" (مت 25: 1)، أو "ملكًا صنع عرسًا لابنه" (مت 22: 1). وحسب السيد المسيح حلوله وسط تلاميذ تحولاً لحياتهم إلى عرسٍ، سئل: "لماذا يصوم تلاميذ يوحنا والفريسيين وأما تلاميذك فلا يصومون؟" قال لهم: "هل يستطيع بنو العرس أن يصوموا والعريس معهم؟ مادام العريس معهم لا يستطيعون أن يصوموا. ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم، فحينئذ يصومون في تلك الأيام" (مر 2: 18-20). يقول الرسول : "الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا" (2 كو 5: 17).

دعوة ربنا يسوع وتلاميذه إلي العرس لم تكن بلا معنى، فإن كان السيد المسيح هو العريس السماوي، فإن التلاميذ وهم بكور كنيسة العهد الجديد هم العروس الروحية. وكأن عرس قانا الجليل وقد تم حسب الناموس والتقليد اليهودي، كان يضم في أعماقه عرسًا خفيًا لم يكن أحد بعد يدركه، عرس السيد المسيح مع كنيسته، هذا الذي يمتد ليس أسبوعًا كما في الطقس اليهودي (تك 29: 27؛ قض 14: 12)، وإنما الزمن كله حتى يعلن في يوم الرب العظيم (رؤ 21: 2).

في هذا الأصحاح يؤكد الإنجيلي الحقائق التالية:

1. بدأ يسوع بالعمل في العرس، لكي يعلن حبه للبشرية، فيحملها إلى السماء كما إلى حجالٍ للعريس. نتمتع بالفرح السماوي، ونحمل انعكاس بهاء مجده علينا.إنه يؤكد أنه جاء إلى العالم ليحول حياتنا إلى عرسٍ مفرحٍ. تحويل ماء حياتنا إلى خمر يشير إلى الفرح الروحي الأبدي (إش 55 :1؛ أف 18:5-20).

v لقد نزل كلمة اللَّه من السماء، لكي يصير عريسًا للطبيعة الإنسانية، فأخذها مسكنًا له، لكي يخطبها ويقودها إليه فتلد ثمار الحكمة الروحية.

القديس كيرلس الكبير

v الذي صنع خمرًا في يوم الاحتفال بالزواج في الستة أجران للمياه هو نفسه الذي يفعل ذات الشيء كل عام في الكروم... لقد فقدت سمة العجب بسبب تكرارها المستمر[330].

أي عجب إن كان قد جاء إلى ذاك البيت إلى عرسٍ، وقد جاء إلى هذا العالم لعرسٍ؟ حقًا إن كان يأتي إلى عرس فإنه لابد أن يجد هنا عروسًا. ولكن ماذا يقول الرسول؟ "لأني خطبتكم لرجلٍ واحدٍ لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" (2 كو 11: 3)... هكذا له عروس هنا قد فداها بدمه، وأعطاها الروح القدس كعربونٍ. حررها من قيود الشيطان؛ مات من أجل خطاياها، وقام لأجل تبريرها (رو 4: 25). من يقدم لعروسه مثل هذه الأمور؟[331]

v العريس الذي قيل له: "قد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن" [10]يمثل شخص الرب. لأن الخمر الجيدة – أعني الإنجيل – حفظه المسيح حتى الآن[332].

القديس أغسطينوس

2. حول ماء التطهير إلى خمر، فبدء عمله هو أن ينقلنا من حرفية الناموس حيثُ التطهيرات إلي فرح الروح،لنعيش في عصرٍ جديدٍ ببداية جديدة. بدأ العمل مع العروسين الشابين ليؤكد السيد المسيح اهتمامه بالشباب، وطلب صداقتهم ليهبهم بهجة لا تنقطع.

3.إذ يدخل بنا إلى عرسه الأبدي، إنما يقيمه في هيكل قدسه، لذا قام بتطهير الهيكل [13-17]. لقد طلب اليهود آية [18]، أما هو فقدم آية موته وقيامته [19]، التي لم يفهمها أعداؤه بل وحاولوا تشويهها، أما أصدقاؤه فأدركوها بعد قيامته (مت61:26؛ 40:27، يو 18:10).انتقل الإنجيلي بنا من العروس إلي عيد الفصح لنرى مسيحنا يطهر الهيكل من الباعة والصيارفة. ويؤكد إقامة هيكل جديد في ثلاثة أيام[19] محولاً أنظارنا من الهيكل الحجري إلى هيكل النفس الداخلية حيث يقيم الله ملكوته في داخلنا. هكذا صار لنا في العصر الجديد هيكل جديد لا يقدُم ولا يشيخ.

1. تحويل الماء خمرًا 1-12.

2. تطهير الهيكل 13-17.

3. طلب آية 18- 25.
1. تحويل الماء خمرًا

"في اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل،

وكانت أم يسوع هناك". [1]

"في اليوم الثالث"، هكذا أراد الإنجيلي أن يوضح أنه في كل يوم جديد كان السيد المسيح يقوم بعملٍ جديدٍ وخدمةٍ جديدةٍ. لم يعبر يوم من أيام حياته على الأرض دون عمل. هكذا من يرتبط بالسيد المسيح تصير أيام حياته كلها أيام عمل، ليس من بينها يوم مفقود.

قوله "في اليوم الثالث" لا يخلو من معنى رمزي، فقد جاء يسوع المسيح بنفسه إلى كنيسته في المرحلة الثالثة ليقيم عرسه معها. العصر الأول هو عصر الآباء ما قبل الناموس، والثاني عصر الأنبياء في ظل الناموس، والثالث عهد النعمة حيث أشرق النور الحقيقي على العالم ليبدد ظلمته.

يحتفل بالزفاف في اليوم الثالث، أي في العصر الأخير من العالم. فالعدد الثلاثي يشير إلينا بالبداية والوسط والنهاية[333].

تم الزواج في اليوم الثالث، أي في نهاية (ملء) الدهور، لأن رقم ثلاثة هو البداية والوسط والنهاية. وهذه الثلاثة هي أبعاد الزمن كله. وينسجم تمامًا مع ما قاله أحد الأنبياء: "لقد ضُرب وسيعصبنا، بعد يومين يحيينا، وفي اليوم الثالث يقيمنا... لنحيا قدامه" (هو 1:6-3).

القديس كيرلس الكبير

بقوله "قانا الجليل" يميزها عن قانا الأخرى التابعة لافرايم في منطقة السامرة (يش ١٦: ٨؛ ١٧: ٩).

بدأت خدمته في قانا الجليل حيث سبط أشير (يش ١٩: ٢٨). وقد تنبأ يعقوب أثناء تقديم البركة للأسباط قائلاً: "أشير خبزه سمين، وهو يعطي لذات ملوك" (تك ٤٩: ٢٠). هكذا يقدم السيد المسيح في منطقة أشور خبز النفس السمين ويقدم ملذات روحية للملوك الروحيين. بدأ السيد عمله في ركنٍ ناءٍ من الدولة، منعزلٍ عن العاصمة "أورشليم" ليعلن انه جاء ليخدم، لا ليطلب مجدًا من الناس. جاء يخدم البسطاء الذين لا يقاومون كالكتبة والفريسيين ورؤساء الكهنة وغيرهم من القيادات الدينية.

يرىBede أن "قانا الجليل" تعني "غيرة الهجرة". وكأن العرس الروحي يتحقق مع أولئك الذين لهم غيرة في المباراة نحو الهجرة من الرذائل إلى الفضائل، ومن الأرضيات إلى السماويات، وذلك بالرجاء والحب.

يلاحظ المستمع المدقق أن الاحتفال (يو 2) لم يتم في أورشليم بل خارج اليهودية (يو 3)، فكان التجمع للاحتفال في مدينة للأمم (مت 4: 15). فمن الواضح جدًا أن مجمع اليهود رفض العريس السماوي، ولكن كنيسة الأمم قبلته بقلب متهلل[334].

القديس كيرلس الكبير


هذا هو أول زواج مسيحي تم في العالم، كان حسب مشيئة الله، وإلا ما كان أصحاب العرس قد دعوا يسوع وتلاميذه. أما حضور القديسة مريم العذراء واهتمامها بالعرس، فإنها كانت مثالاً حيًا للعروس الطاهرة التي تفتح قلبها بالحب لكل إنسان.

كانت أم يسوع هناك" [1] غالبًا ليس كأحد المدعوين وإنما كأحد أفراد الأسرة، لهذا أدركت أن الخمر قد فرغت الأمر الذي لا يدركه المدعوون بل أصحاب العرس. هذا لم يكن بلا معنى، فإن كان هذا العرس هو أول آية صنعها يسوع ليربط بين العهد القديم والعهد الجديد، فإن أم يسوع وهي من سبط يهوذا أحد أفراد عائلة العهد القديم تتوسط لدى ابنها ليعلن بهجة الخلاص المفقودة، فقد فرغ خمر الفرح، وانقطع الأنبياء إلي فترة طويلة، وساد الحزن والمرارة علي الشعب.

"ودُعي أيضا يسوع وتلاميذه إلى العرس". [2]

عدم مفارقة السيد المسيح وتلاميذه للعرس يكشف عن روح العروسين وأهلهما وأصدقائهما. كان الجميع يسلكون كما يليق في الرب، فلا يدعون يسوع إلى حين ليستأذن فيتحول العرس إلى حياة خليعة غير لائقة.

الذي ذهب مرة واحدة فقط إلى الزواج يعلمنا ألا تتزوج المرأة إلا مرة واحدة (مادام رجلها حيًّا)، لكن هذه الحقيقة يمكن أن تكون ضد البتولية إن فشلنا في إعطاء الزواج وضعه اللائق... الهراطقة وحدهم هم الذين يحتقرون الزواج فيطأون وصية اللَّه بأقدامهم، أما نحن فنصغي بكل بهجة إلى الكلمة التي قالها ربنا في مديحه للزواج. فإن الكنيسة لا تشجب الزواج، وإنما فقط تخضعه[335].

القديس جيروم

لم يأتِ لكي يشترك في العرس بل بالأكثر ليحقق معجزته، ويقدس بدء الميلاد البشري الذي يتعلق بالجسد. كان لائقًا بذاك الذي جاء لتجديد طبيعة الإنسان نفسها وتقديمها بكاملها إلى حالٍ أفضلٍ أن يقدم بركته ليس فقط لمن ولدوا بالفعل وإنما أيضًا يعد بالبركة للذين يولدون فيما بعد، مقدسًا مجيئهم في هذا العالم... بتقديس الزواج، لقد أزال الحزن القديم على الولادة[336].

جاء (إلى العرس) لكي يقدس بداية ميلاده، أعني ميلاده حسب الجسد... أن يهيئ نعمة، مقدمًا إياها للذين سيولدون، ويجعل مجيئهم مقدسًا...

قيل للمرأة من قبل اللَّه: "بالحزن سوف تحبلين" (تك 16:3). ألم تكن الحاجة بالأكثر إلى القضاء على هذا اللعنة أيضًا، وإلا كيف يمكننا أن نتفادى زواجًا مدانًا؟ لكن لأن المخلص هو محب البشر فإنه هو الذي يرفع هذه اللعنة، إذ هو فرح الكل وسعادتهم. لقد أكرم الزواج بحضوره لكي يزيل العار القديم الخاص بالحبل. لأنه إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء القديمة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدًا" (2 كو 17:5).

لم يأتِ المخلص إلى العرس بإرادته وحده، بل بدعوةٍ، أي برجاء وإلحاح أصوات القديسين، ولكن الخمر فرغت ولم يعد لدى المحتفلين منها أي شيء، لأن الناموس لم يكمل شيئًا، ولم تعطِ الوصايا الموسوية الفرح، ولم يستطع الناموس الطبيعي المغروس فينا أن يخلصنا.

القديس كيرلس الكبير

كما قلت سابقًا أنه كان معروفًا في الجليل، لهذا دعوه في العرس، وقد لبى الدعوة، لأنه لم ينظر إلى كرامته، لكنه نظر إلى إحسانه إلينا، لأن من لم يستنكف من أن يأخذ صورة عبد (في 2: 7)، فأولى به وأليق ألا يترفع عن أن يحضر في عرس عبيده. ومن اتكأ مع عشارين وخطاة (مت 9 :13) فأليق به ألا يمتنع عن أن يتكئ في العرس.

والذين دعوا المسيح لم يمتلكوا التمييز الواجب من أجله، ولا دعوه على أنه شخص عظيم، لكنهم دعوه كشخصٍ بسيطٍ كواحد من الكثيرين على أنه معروف عندهم. هذا المعنى ذكره البشير مستورًا إذ قال: وكانت أم يسوع هناك"، فعلى نحو ما دعوها وكذلك دعوا يسوع أيضًا[337].

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له:

ليس لهم خمر". [3]

لم يذكر الإنجيلي أن القديسة مريم قد دُعيت للعرس، بل دُعي يسوع وتلاميذه الخمسة (حتى ذلك الحين)، لكنها كانت حاضرة غالبًا بكونها أحد أفراد العائلة.

إذ يُدعى السيد المسيح للحضور بالصلاة، يحل ومعه قديسيه (تلاميذه) ليحول الفرح إلى الكنيسة مقدسة، ويفيض على العروسين وكل الحاضرين من ينابيع فرحه السماوي.

ربما يتساءل البعض: مادام السيد المسيح لم يفعل قبلاً معجزات، فكيف عرفت القديسة مريم أنه قادر أن يقدم للعرس خمرًا بطريقةٍ معجزية؟

لم يكن قد صنع السيد المسيح عملاً معجزيًا علانية من قبل، غير أن القديسة مريم وقد عرفت إمكانياته الإلهية وصلاحه وترفقه بالغير توقعت أنه حتمًا يفعل شيئًا لكي لا يوجد نقص في العرس. إنها تدرك أنه لابد من تدخله عند الضرورة لسد الاحتياجات.

يليق هنا التساؤل من أين جاء في ذهن أمه أن تتصور في ابنها أمرًا عظيمًا، إذ لم يكن بعد قد صنع أية معجزة، حيث يقول الإنجيلي: هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل" [11]... الحبل به نفسه والظروف المحيطة به قد أوحى لها بفكر عظيم للغاية من جهة الطفل، إذ قال لوقا: "إذ سمعت كل الأقوال عن الطفل كانت تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها” (راجع لو 2: 51)[338].

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ليس لهم خمر" [3]: هذا هو حال إسرائيل إذ زالت عنهم بهجة الخلاص. وكما يقول يوئيل النبي: "اصحوا أيها السكارى وابكوا وولولوا يا جميع شاربي الخمر علي العصير، لأنه قد انقطع عن أفواهكم" (يؤ 1: 5). لقد اكتشفت أم يسوع، ابنة إسرائيل، ما حل بكل شعبها، فصرخت إلي العريس السماوي الذي وحده قادر أن يفيض حياض المعاصر خمرًا وزيتًا (يؤ 2: 24). باسم البشرية كلها رددت قول أبيها داود النبي: "رد لي بهجة خلاصك" (مز 51).

ما أعلنته القديسة مريم إنما خلال خبرتها بالعرس الروحي الجديد الذي تحققت منه حين أحنت رأسها، وقبلت تجسد الكلمة في أحشائها، فصارت أعماقها حفل عرس لا يُعبر عنه، إذ ترنمت قائلة: "تعظم نفسي الرب، وتبتهج روحي بالله مخلصي" (لو 1 : 46). هذا هو خمر الله الذي يبهج الروح، ويرد المجد والبهاء، ليحيا المؤمنون في عرس لا ينقطع. "كفرح العريس بالعروس يفرح بك إلهك" (إش 6: 5).

تصرف القديسة مريم يكشف عن أمومة المؤمن واهتمامه بسد احتياجات الغير وليس احتياجاته هو، وأنه يلجأ أولاً إلى الينبوع لينال منه بفيضٍ بما يفوق الطبيعة. وأن يقدم الطلب بروح التواضع حيث يعرض الإنسان الموقف دون أن يضع الحَلْ لله كما لو كان أكثر منه حكمة أو حبًا للآخرين.

اللَّه السخي جدًا لا يحتقرنا نحن الذين نجاهد جائعين إلى خيراته[339].

القديس كيرلس الكبير

"قال لها يسوع:

ما لي ولك يا امرأة؟

لم تأتِ ساعتي بعد". [4]

لم يلقِ السيد المسيح باللوم على العروسين أو أهلهما لأنهم لم يعدوا خمرًا كافيًا، ولم يلم والدته لأنها تدخلت في الأمر، إنما أوضح لها أن لكل عمل وقته أو ساعته المناسبة.

يتعجب البعض كيف يدعو يسوع أمه "يا امرأة" لكن هذه الدهشة تزول حين نراه علي الصليب يكرر: "يا امرأة هوذا ابنك"، فهو يتحدث معها في بدء خدمة الآيات التي تمثل إشارة لبدء حمل الصليب، حيث يُستعلن شخصه فتثور قوى الظلمة ضده لتخطط لموته (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فهو لا يتحدث معها بكونها أمه، لأنه ليس من حقها أن تحدد ساعة الصليب، إنما هذا حق الآب الذي أرسله. فقد جاء يتمم مشيئة الآب ببذل ذاته من أجل خلاص العالم.

حقا لقد رافقته القديسة مريم في أول معجزة وهي لا تدري إنها بدء ساعة الصليب، وبقيت معه حتى لحظات الصليب بكونها ممثلة للكنيسة، حواء الجديدة المرافقة لآدم الثاني في طريق آلامه، حتى يسكب بهاء مجده عليها. لقد قيل لها بعد الحبل بالسيد المسيح: "يجوز في قلبك سيف"، وقد بدأ يخترق قلبها في عرس قانا الجليل ليحمل جراحات الحب!

لم يقل "يا أماه" بل "يا امرأة"، لأن ما يمارسه بخصوص تحويل الماء خمرًا لا يصدر بكونه إنسانًا أخذ جسدًا منها، وإنما بعمل لاهوته. حقًا ليس انفصال بين لاهوته وناسوته، وما يمارسه السيد المسيح هو بكونه كلمة الله المتجسد، لكن بعض الأعمال هي خاصة به كابن الله الوحيد، والبعض بكونه ابن الإنسان.

لماذا قال "لم تأتِ ساعتي بعد" وقد قام في نفس الساعة بعمل المعجزة؟ لقد أوضح لها أن ساعته للقيام بآيات علنية ومعجزات عامة أمام الجميع لم تأتِ بعد، لكنه يعمل دومًا. وقد تمم الآية في هدوء بعد أن قدم الخدام الأجران حتى أن رئيس المتكأ والعريس لم يعرفا ذلك وإنما الخدام وحدهم [٩].

لكي تتأكد من احترامه العظيم لأمه استمع إلى لوقا كيف يروي أنه كان "خاضعًا لوالديه" (لو 2: 51)، ويعلن إنجيلينا (يوحنا) كيف كان يدبر أمرها في لحظات الصلب عينها. فإنه حيث لا يسبب الوالدان أية إعاقة في الأمور الخاصة بالله فإننا ملتزمون أن نمهد لهما الطريق، ويكون الخطر عظيمًا إن لم نفعل ذلك. أما إذا طلبا شيئا غير معقول، وسببا عائقًا في أي أمر روحي فمن الخطر أن نطيع! ولهذا فقد أجاب هكذا في هذا الموضع، وأيضًا في موضع آخر يقول: "من هي أمي؟ ومن هم اخوتي؟" (مت 12: 48)، إذ لم يفكروا بعد فيه كما يجب. وهي إذ ولدته أرادت كعادة بقية الأمهات أن توجهه في كل شيء، بينما كان يلزمها أن تكرمه وتسجد له، هذا هو السبب الذي لأجله أجاب هكذا في مثل هذه المناسبة[340].

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الأربعاء أكتوبر 06, 2010 9:26 am

لقد اهتم بالغير واستخدم كل وسيلة ليغرس فيهم الرأي السديد الخاص به، فكم بالأكثر كان يليق به أن يفعل ذلك مع أمه[341].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح كان يود أن يأتي الطلب من الذين كانوا في حاجة إلى ذلك وليس من أمه. لأنه إن كان ما يفعله يقوم علي طلب صديق له فمع كونه أمرًا عظيمًا لكن قد يتشكك البعض في الأمر، أما إذا سأل المحتاجون ذلك فلا يحوم الشك حول المعجزة، ويكون النفع أعظم. يشبه القديس الذهبي الفم السيد المسيح بطبيبٍ ماهرٍ متى دخل منزلاً به مرضى كثيرون فإنه إن تحدث مع أمه ولم يتحدث مع أحد المرضى أو مع أقربائهم يتشككون فيه ويتضايق المرضى.

أراد أن يظهر أنه يعمل كل الأشياء في وقتها المناسب، ولا يفعل كل شيء في الحال... إنه ليس ملتزمًا بالضرورة للأزمنة، لكنه هو الذي وضع نظام الفصول، إذ هو خالقها. لذلك يقول: "ساعتي لم تأتِ بعد". وهو يعني بهذا أنه لم يكن قد أعلن بعد لكثيرين، ولم يعد بعد له خورس تلاميذه...

علاوة على هذا فإنني يجب أن أُخبر بذلك ليس منكِ، أنتِ أمي، فسيُشك في المعجزة. يليق بالذين يريدون الخمر أن يأتوا ويطلبوا مني ليس لأني محتاج إلى ذلك، ولكن لكي بإجماعهم الكامل يقبلون المعجزة.

فإن الذي يعرف أنه في عوز يصير شاكرًا عندما ينال عونًا، أما الذي ليس لديه الإحساس بالاحتياج لن يكون لديه إحساس واضح بالمنفعة التي نالها"[342].

فمع كونه حريصًا علي تكريم أمه، إلا أنه كان بالأكثر مهتمًا بخلاص نفسها، ويصنع ما هو صالح للكثيرين، الأمر الذي لأجله أخذ لنفسه جسدًا. كلماته إذن لم تكن صادرة عن من يتكلم بجفاءٍ مع أمه، بل بمن هو حكيم في تدبيره، فيدخل بها إلي الفكر السليم، ولكي يجعل معجزاته تُقبل بالكرامة اللائقة بها[343].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لا يريد أن يتسرع في القيام بشيءٍ، لأنه لا يريد أن يظهر كصانع المعجزات للذي لا يطلبه، بل ينتظر حتى يدعوه المحتاجون لا الفضوليون، فهو يعطي النعمة لمن يحتاج، وليس لمن يريد أن يتمتع بالمشاهدة.

القديس كيرلس الكبير

لم يكن رب الملائكة خاضعًا للساعة، إذ هو الذي خلق فيما خلق الساعات والأزمنة. لكن لأن العذراء الأم رغبت في أن يصنع معجزة عندما فرغت الخمر، لذلك للحال أجابها بوضوح كما لو قال: "إني أستطيع أن أفعل معجزة تأتي من عند أبي لا من عند أمي". فإن ذاك الذي في ذات طبيعة أبيه صنع عجائب جاءت من أمه، وهو أنه يستطيع أن يموت. وذلك عندما كان على الصليب يموت. لقد عرف أمه التي عهد بها لتلميذه قائلاً: "هذه أمك " (يو19: 27). إذن بقوله: "ما ليّ ولك يا امرأة لم تأتِ ساعتي بعد" تعني "المعجزة التي ليست من طبيعتك لست أعرفك فيها. عندما تأتي ساعة الموت سأعرف أنكِ أمي إذ قبلت ذلك فيك أنني أستطيع أن أموت[344].

البابا غريغوريوس (الكبير)

وقد تبنىBede ذات التفسير بقوله إن ما قاله السيد هو ليس شيئًا مشتركًا بين لاهوتي الذي ليّ دومًا من الآب وبين جسدك الذي أخذت منه جسدًا. لم تأتِ بعد ساعتي حيث بالموت أثبت الضعف البشري الذي أخذته منكِ. أولاً يليق بيّ أن أبرز قوة لاهوتي السرمدي بممارسة قوتي. لكن تأتي الساعة التي فيها يظهر ما هو عام بينه وبين أمه عندما يموت على الصليب ويهتم بأنه يوصي التلميذ البتول بالعذراء. عندما يتحمل الضعف البشري يتعرف على أمه الذي تسلم ذلك منها، ولكن حين يمارس الإلهيات يبدو كمن لا يعرفها، إذ يعرف إنها ليست مصدر ميلاده اللاهوتي.

"قالت أمه للخدام:

مهما قال لكم فافعلوه". [5]

لم تعاتب ابنها علي كلماته، لأنها أدركت السرّ علي الأقل جزئيًا. شعرت أيضا بعلامات الرضى، فطلبت من الخدام الطاعة بما يوصيهم به السيد المسيح.

استخدم الإنجيلي الكلمة اليونانية "ذياكونيس" لتكشف أنهم خدام أسرار الله الذين يعمل بهم السيد المسيح لخدمة وبهجة شعبه. وكنيسة العهد الجديد تدعو الشمامسة: "ذياكونيين" الذين يقومون بخدمة المذبح مع خدمة الموائد (الاهتمام باحتياجات الفقراء والمرضي..).

في ثقةٍ بحب السيد المسيح للخدمة وحنوه تأكدت أنه حتمًا سيتصرف ويشبع كل نقص. لقد طلبت من الخدام أن يوجهوا أنظارهم إليه ويسمعوا له. هذا هو دور القديسة مريم وكل القديسين ألا وهو توجيه أنظارنا إلى مسيحنا والطاعة الكاملة له.

بدأت تعمل بأن هيّأت الخدم لكي يجتمعوا لإطاعة ما يأمر به دائمًا.

القديس كيرلس الكبير

لأنها عرفت أن استعفاءه من ذلك لم يكن عن نقصٍ في القوة لكن لتواضعه، وحتى لا يُظن أنه يفرض ذاته عليهم باختياره، متسرعًا في عمل المعجزة، لذلك قدمت الخدام إليه[345].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم[346] في تصرف القديسة مريم درسًا عمليًا في المثابرة تقدمه لنا. فمع ما قاله لها ابنها يسوع لم تكف عن العمل بمثابرة، فقدمت له الخدام، وسألتهم الطاعة له.

وكانت ستة أجران من حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود،

يسع كل واحدٍ مطرين أو ثلاثة". [6]

كانت تُستخدم ستة أجران حسب أيام الأسبوع من الأحد حتى الجمعة، كل جرن يخصص ليومٍ معينٍ للتطهير، أما السبت يوم العبادة والراحة فلا يمارس فيه الشخص عملاً يحتاج إلي تطهير.

ليس عجيبًا أن يحول السيد المسيح الماء إلى خمرٍ، فهو الذي يخرج من الأرض خمرًا (مز ١٠٩: ١٤–١٥)، حيث يهب الأرض أن تنتج كرومًا يُعصر عنبها ويتحول إلى خمر.

بدأ موسى معجزاته في الضربات العشر بتحويل الماء إلى دمٍ فيه مرارة وموت، لأن الكل كسروا الناموس، وصاروا تحت اللعنة والموت. أما السيد المسيح فحول الماء إلى خمر، حيث قدم رسالة الخلاص المبهجة. جاء المسيح لا ليدين العالم بل ليخلص، ويهب شبعًا وبهجة ومجدًا داخليًا. دعوته الإنجيلية هي: تعالوا إلى الماء واشتروا خمرًا (إش ٥٥: ١).

كانت هذه الأجران تُستخدم للتطهير، إذ لم يكن يجوز لليهودي أن يأكل ما لم يغتسل أولاً (مر ٧: ٣). كما كان هذا الماء يُستخدم في بعض الطقوس الأخرى الخاصة بالتطهير. وكان المثل السائد بين اليهود: "من يستخدم ماء أكثر في الاغتسال ينال صحة أوفر في هذا العالم".

كانت هذه الأجران للماء فقط لا يوضع فيها خمر، وكانت من الحجارة، حتى إذا وضع فيها خمر قبلاً لا يبقى له أثر، على عكس الفخار الذي قد يتشرب من السوائل القديمة وينضح على الجديدة. كانت الأجران من الحجارة، فقد رأى زكريا الحجر الموضوع أمام وجه يسوع عليه سبعة أعين (زك3: 9)، أي له معرفة روحية في المسيح يسوع. ورآه القديس بطرس الرسول حجرًا حيًا يُقام منه هيكل الرب (1بط4:2، 5).

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم إن الإنجيلي يؤكد إنها "حسب تطهير اليهود" ليدرك الكل أنه لم يوضع فيها خمر قط بل ماء للتطهير. كما يقول أن فلسطين بلد تُعرف بقلة المياه، فلا توجد القنوات والينابيع في كل موضع لهذا كانوا يملأون الأجران بالماء، حتى لا يسرعوا إلي الأنهار متى تدنسوا في أي وقت، بل يجدون وسائل التطهير بين أيديهم[347].

يرى البعض الأجران الستة تشير إلى أزمنة العالم الستة التي مرّت بالإنسانية حتى مجيء الرب في الزمن السابع (في الختم السابع في سفر الرؤيا)، وكأنها تشير إلى المؤمنين عبر كل الأجيال الذين يتطهرون من خطاياهم ويشربون خمر الروح المفرح. هذه العصور كما يقول القديس أغسطينوس هي:

1. من آدم إلى نوح.

2. من نوح إلى إبراهيم.

3. من إبراهيم إلى داود.

4. داود إلى السبي البابلي.

5. من السبي البابلي إلى يوحنا المعمدان.

6. من يوحنا المعمدان إلى نهاية العالم.

يعود فيقول القديس أغسطينوس: [أضف إلى هذا أن اللَّه خلق الإنسان على صورته في اليوم السادس، لأنه في العصر السادس أُعلن تجديد ذهننا بالإنجيل ليصير على صورة خالقه، وتحول الماء إلى خمرٍ، لنتذوق المسيح. هذا أُعلنه في الناموس والأنبياء. لهذا وجد ستة أجران وأمر أن تُملأ ماءً. الآن هذه الأجران الستة تعني العصور الستة التي لم تكن بدون نبوات. وهذه الفترات الست انقسمت وانفصلت كما بمفاصل، تبقى فارغة ما لم يملأها المسيح... يلزم أن يُفهم المسيح في كل النبوة[348].]


ماذا يعني بقوله: "يسع كل واحدٍ مطرين أو ثلاثة" [6]؟ يقول القديس أغسطينوس أن كلمة مطر في اليونانيةmetrou هو قياس معين، وأن رقم اثنين يشير إلى الآب والابن، والثلاثة يشير إلى الثالوث القدوس. فإنه لم يقل بعض الأجران تسع اثنين والبعض ثلاثة أمطار، بل قال إن كل واحدٍ يسع مطرين أو ثلاثة. حيث جاءت النبوات في أسفار العهد القديم تتحدث عن الآب والابن (السيد المسيح)، وحملت ضمنًا الحديث عن الروح القدس بكونه روح الآب وروح الابن في نفس الوقت. ويرى القديس أغسطينوس [إن الروح القدس هو روح الحب الذي يربط الآب والابن معًا. عندما يقول اثنين يفهم الثالوث القدوس دون أن يُعبر عنه، وأما القول ثلاثة فيفهم منه الثالوث القدوس ويُعبر عنه[349].]

قلنا أن هذه الأجران الستة تشير إلى الست حقبات التي تتنبأت عن عرس السيد المسيح مع الكنيسة التي من كل الأمم[350].

1. الجرن الأول يبدأ بآدم الذي يحمل اتحادًا مع حواء وصارا جسدًا واحدًا (تك 2: 24) كاتحاد المسيح بكنيسة (أف 3: 31)، وهما والدان لكل البشرية، وليسا للشعب اليهودي وحده.

2. الجرن الثاني يبدأ بنوح الممثل للسيد المسيح، وقد ضم في فلكه حيوانات وطيور من كل العالم.

3. الجرن الثالث يشير إلى إبراهيم الذي بنسله تتبارك كل الأمم.

4. الجرن الرابع داود المرتل: "قم يا اللَّه دنْ الأرض، لأنك أنت تمتلك كل الأمم" (مز 82: Cool، وقد وضع نغماته آساف المرتل.

5. الجرن الخامس حيث السبي البابلي، فيه رأى دانيال النبي السيد المسيح كحجرٍ صغيرٍ مقطوع بغير أيدِ بشرية وقد ملأ الأرض كلها (دا 2: 34).

6. الجرن السادس ينتمي ليوحنا المعمدان أعظم مواليد النساء، الذي قيل عنه أنه أعظم من نبي (مت11: 11)، وقد تنبأ عن المسيح أنه مرسل لكل الأمم، إذ يقول "إن اللَّه قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم" (مت 3: 9). هكذا يرى القديس أغسطينوس أن الجرن السادس قد شهد لعرس السيد المسيح مع الكنيسة المجتمعة من الأمم. [لأنه من هذه الأمم نحن نأتي، ولكن ما كان يمكننا أن نأتي منها لو لم يقم اللَّه من الحجارة أبناء لإبراهيم. نحن صرنا أبناء إبراهيم بامتثالنا بإيمانه، وليس بميلادنا منه حسب الجسد[351].]

"قال لهم يسوع:

املأوا الأجران ماء،

فملأوها إلى فوق". [7]

كان يمكن أن يخلق الخمر من العدم، لكنه حول الماء خمرًا ليؤكد أنه ما جاء ليتجاهل الناموس أو يبطله، بل ليكمله، فجاء الإنجيل امتدادًا روحيًا للناموس في غير حرفية. ولكي يجعل الذين استقوا الماء بأنفسهم شهودًا على الأعجوبة الكائنة، ويشهدون أن الأعجوبة لم تكن خيالاً.

يرى القديس أغسطينوس أن الماء هنا يشير إلى العهد القديم "الناموس والأنبياء والمزامير"، العهد القديم كله الذي كان له مذاق الماء لمن لم يدركه روحيًا ويكتشف فيه سرّ المسيح. وقد جاء السيد ليحول الماء إلى خمر مفرح، له مذاق جديد وفاعلية جديدة. [كيف حوّل الماء خمرً؟ عندما فتح فهمهم وشرح لهم الكتب المقدسة، مبتدأ من موسى وكل الأنبياء، فسكروا وقالوا: "ألم تكن قلوبنا ملتهبة فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب؟!" (لو 24: 32). فقد فهموا المسيح في هذه الكتب، الذي لم يعرفوه من قبل. هكذا حوّل ربنا يسوع الماء إلى خمر، وصار له الآن مذاقًا لم يكن له من قبل، صار الآن يُسكر، الأمر الذي لم يكن له من قبل... لقد أظهر لنا أن الكتاب القديم هو من عنده، إذ بأمره امتلأت أجران الماء. إنها من الرب حقًا، كانت كتب العهد القديم أيضًا، لكن لم يكن لها مذاق ما لم يُفهم المسيح فيها[352].]

في طاعة لوصية الرب ملأ الخدام الأجران إلي الملء، إلي الحافة العليا. هكذا لا يليق بالخادم أن يستريح حتى يتمم الوصية بأن يتلمس في خدمته عمل السيد المسيح "الملء الذي يملأ الكل في الكل" (أف 1: 23). لأنه ليس بكيل يعطي الروح" (يو 3: 34). ليس ما يشغل رجل الله إلا تمتع كل نفسٍ بغنى مجد المسيح الذي لا يُستقصي، فيترنم: "من ملئه نحن جميعًا أخذنا، ونعمة فوق نعمة" (يو 1: 16).

الذي حول الماء خمرا، والذي يبعث الأمطار إلينا كان قادرًا أن يملأ الأجران ماء، ثم يحوله إلي خمر. لكنه في حبه للبشرية لا يتجاهل التزامنا بالعمل معه. فمادام في استطاعتنا أن نملأ الأجران ماء نعمل ما في وسعنا، ويعمل هو ما يستحيل علينا عمله. هكذا في كثير من الأعمال يهبنا كرامة العمل معه ولحساب ملكوته فينا، فيطلب من الحاضرين أن يرفعوا الحجر عن القبر، ويأمر لعازر أن يخرج. هو يهب الحياة والقيامة، ويطلب من التلاميذ أن يحلوا الميت من الأربطة. بهذا نترنم مع الرسول متهللين: "العاملان مع الله"!

"ثم قال لهم:

استقواالآن وقدموا إلى رئيس المتكأ،

فقدموا". [8]

لم نسمع أنه استدعى اسم الله أو صلى على الماء، لكنه أصدر أمرًا بملء الأجران، وفي الحال طلب تقديم ما بالأجران. لم يطلب حتى أن يقدموا له لكي يذوق ما بها.

لم يصنع المعجزة لكي يظهر ذاته علانية، بل لكي يشبع احتياجاتهم. وقد أمر الخدام أن يقدموه في الحال. فإنه لا يهب الوزنة لكي ندفنها، بل كي نعمل دومًا، منتهزين كل فرصة للخدمة.

لم يكن السيد المسيح "رئيس المتكأ" بل كان صديقًا للعروسين، وخادمًا للكل. هذا هو كرسي الرئاسة الحقيقية، أن يبذل الإنسان نفسه بالحب وبروح التواضع من أجل الآخرين.

"فلما ذاق رئيس المتكأ الماء المتحول خمرًا،

ولم يكن يعلم من أين هي،

لكن الخدام الذين كانوا قد استقوا الماء علموا،

دعا رئيس المتكأ العريس". [9]

جاءت الكلمة اليونانية المترجمة "استقوا" هي نفس الكلمة العربية الدارجة "نطل"، وتعني السحب من مصدر عميق. فالأجران ضخمة جدًا وأفواهها متسعة، ولا يمكن سكب الخمر منها إلا بسحبها بكوز يده طويلة. إذ يليق بخادم السرّ والكارز بالإنجيل أن يمد يده إلي الأعماق، ويسحب من فيض عطية الله العظمى كمن يسحب من ينبوع إلهي لا ينضب.

"وقال له:

كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولاً،

ومتى سكروا فحينئذ الدون،

أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن". [10]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه لكي لا يقول أحد أن الشهادة قد صدرت عن أناس سكرى لا يدرون الفارق بين الخمر والماء، جاءت الشهادة من رئيس المتكأ. وحتمًا كان رئيس المتكأ يحرص ألا يسكر، إذ يلتزم بتدبير أمر العرس بوقارٍ وحكمةٍ[353].

حرص الإنجيلي أن يقول عن رئيس المتكأ: "ولما ذاق"، أي لم يكن بعد قد شرب حتى من هذا الخمر، إنما ذاقه.

في قانا الجليل حول السيد المسيح الماء خمرًا فبعث بالفرح الروحي في كل المحفل، وفي كنيسة العهد الجديد يحول السيد المسيح بروحه القدوس الخمر إلى دمه المبذول عنا، فيبعث بالفرح السماوي في حياة متناوليه.

v لم يحول المسيح الماء خمرًا فحسب، لكنه صيَّره خمرًا فائق الجودة، لأن عجائب المسيح لها هذه الخاصية، وهي أن تصير أبهى حسنًا وأفضل من الأصناف المتكونة في الطبيعة بكثير، فمن هذه الجهة متى أصلح في الناس عضوًا أعرج من جسمهم، أظهر ذلك العضو أفضل من الأعضاء الصحيحة. والبرهان على أن الماء الصائر خمرًا كان خمرًا فائق الجودة، شهد به ليس الخدام وحدهم، بل ومعهم رئيس متكأ العرس.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل،

وأظهر مجده،

فآمن به تلاميذه". [11]

هنا بدء الكشف عن مفهوم "المجد" في هذا السفر، وهو: "الحضرة الإلهية". اللَّه يمجدنا حينما يعلن حضوره فينا، ونحن نمجده حينما نعلن حضوره في العالم. ففي هذه الآية أُعلن حضور الآب في ابنه وحيد الجنس، الذي يخبر عنه.

v الذي صنع الماء خمرًا يستطيع أن يجعل الحجارة خبزًا، فالسلطان واحد. لقد جربه الشيطان بذلك لكن المسيح لم يفعل ذلك. لأنكم تعلمون أنه عندما جُرب الرب المسيح اقترح الشيطان عليه ذلك. فقد كان جائعًا، حيث كان له ذلك كهبة منه، فقد مارس ذلك (أنه جائع) كنوعٍ من تواضعه. كان الخبز (المسيح) جائعًا، كما أن الطريق خائرًا، وواهب الصحة مجروحًا، والحياة ميتًا... لم يصنع خبزًا من الحجارة، ذاك الذي يمكنه أن يفعل هذا بسهولة كما حول الماء خمرًا... فإنه ليس شيء يجعل المجرب مهزومًا مثل احتقاره. وعندما غلب تجربة الشيطان "جاءت ملائكة وخدمته" (مت ٤: ١١)...

لماذا فعل هذه ولم يفعل تلك؟... عندما حول الماء خمرًا ماذا يضيف الإنجيلي؟ "وآمن تلاميذه به" (يو ٢: ١١). فهل كان للشيطان أن يؤمن به؟[354]

القديس أغسطينوس

v إن قال قائل: لا يوجد في هذا القول دلالة كافية على أن هذه الآية هي بداءة آيات المسيح لأجل إبداعها في قانا الجليل، لأنه من الممكن أن يكون فعل في غير ذلك المكان آيات أخرى غيرها.

نقول له: إن يوحنا المعمدان قد قال من قبل عن المسيح: "وأنا لم أكن أعرفه، لكن ليظهر لإسرائيل، لذلك جئت أعمد بالماء" (يو 1: 31)، فلو كان المسيح فعل في عمره المبكر عجائب لما كان الإسرائيليون قد احتاجوا إلى آخر يعلن عنه. لأن ذاك (يسوع) الذي جاء بين الناس وبمعجزاته صار معروفًا، ليس فقط للذين في اليهودية وإنما أيضا للذين في سورية وما وراءها، وفعل هذا في ثلاث سنوات فقط، فإنه ما كان محتاجًا إلي هذه السنوات الثلاث لإظهار نفسه (مت 4: 24)، لأنه كان من شهرته السابقة قد عُرف في كل موضع.

أقول أن ذاك الذي في وقت قصير أشرق عليكم بالعجائب فصار اسمه معروفًا للكل، لم يكن بأقل من ذلك لو أنه في عمره المبكر صنع عجائب وما كان يبقى غير معروف كل هذا الزمن (حتى بلغ الثلاثين من عمره). فإنه ما كان قد فعله لبدا غريبًا أن يفعله صبي...

في الحقيقة لم يفعل شيئا وهو طفل سوى أمرًا واحدًا شهد له لوقا (لو 2: 36) وهو في الثانية عشر من عمره حيث جلس يسمع للمعلمين وقد دهشوا من أسئلته. بجانب هذا فإنه من الأرجح والمعقول انه لم يبدأ آياته في عمره المبكر، لأنه بهذا لبدت أمرًا مخادعًا. إن كان وهو في سن النضوج تشكك كثيرون فيها، كم بالأكثر لو أنه صنع العجائب وهو صغير. فإن ذلك كان قد أسرع به إلي الصليب قبل الوقت المحدد، خلال سم الحقد، ولما قُبلت حقائق التدبير[355].

القديس يوحنا الذهبي الفم



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الخميس أكتوبر 07, 2010 3:31 am

"وبعد هذا انحدر إلى كفرناحوم هو وأمه واخوته وتلاميذه،

وأقاموا هناك أياما ليست كثيرة". [12]

يرى العلامة أوريجينوس أن كلمة "كفرناحوم" تعني "حقل الحث".

يقول العلامة أوريجينوس[356] أن يسوع ومن معه انحدروا إلى كفرناحوم حيث لم يقيموا أيامًا كثيرة لأن من هم في الأسفل أو المنحدر ليس لديهم موضع لبقاء يسوع وقديسيه إلى أيام كثيرة. إنهم منحدر "حقل الحث" الذي لا يقدر أن يتقبل إمكانية الاستنارة بالتعاليم الكثيرة، إنما يكتفي بالحث القليل. أما النفوس العالية المرتفعة روحيًا فتتمتع بالوعد الإلهي: "ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر"، وليس إلى أيام ليس بكثيرة.

إذ نُصلب مع مسيحنا يقيم ليس فقط معنا إلى أيام قليلة بل وفينا، فنقول مع الرسول: "لا أحيا أنا بل المسيح يحيا فيَّ" (٢ كو ١٣: ٣). هكذا يسكن فينا ويحيا ويتكلم إلى انقضاء الدهر.

v بعد الفرح بالخمر كان من الضروري للمخلص مع أمه وتلاميذه أن يدخلوا "حقل الحث" لكي يحثوا التلاميذ على وجود ثمار في حقل خصب، وإن تحبل النفس به بالروح القدس، أو يحثوا أولئك الذين ينتفعون هناك"[357]

العلامة أوريجينوس

ماذا يقصد بتعبير "اخوته"؟ يقول القديس أغسطينوس كل من يمتون بعلاقة دموية بمريم يحسبون اخوته، مستشهدًا بذلك من الكتاب المقدس. فقد دُعي لوط ابن أخ إبراهيم أخًا له (تك 13: 8؛ 14: 14). ودُعي لابان خال يعقوب أخًا له (تك 28: 5؛ 29: 12، 15). كما تحدث السيد المسيح عن تلاميذه أنهم اخوته (مت12: 46-50)[358].
2. تطهير الهيكل

"وكان فصح اليهود قريبًا

فصعد يسوع إلى أورشليم". [13]

هذا هو الفصح الأول بعد عماد السيد المسيح، الثاني ورد في لو ٦: ١، والثالث في يو ٦: ٤، والرابع الذي صلب فيه السيد المسيح (يو ١١: ٥٥).

"ووجد في الهيكل الذين كانوا يبيعون بقرًا وغنمًا وحمامًا والصيارف جلوسًا". [14]

يتساءل العلامة أوريجينوس عن إضافة "اليهود" إلى "الفصح"، فهل يوجد احتفال بفصح آخر غير فصح اليهود؟ ويجيب أنه ربما كان البعض يحتفلون بالفصح حسب فكرهم البشري، وليس حسب الفكر الكتابي الإلهي، لهذا دعاه "فصح اليهود". جاء في سفر الخروج: "إنه فصح للرب" (خر ١٢: ١١)، ولم يقل "إنه فصحكم" في أي موضع. عندما يعلن الله عن رفضه للشعب ينسب الأصوام والأعياد إليهم لا إليه. وكما جاء في سفر إشعياء النبي: "رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي، صارت عليّ ثقلاً، مللت حملها" (إش ١: ١٤).

v كما أنه عندما يخطئ شعب الله (لا يُنسبون لله) هكذا الأعياد عندما تبغضها نفس الرب تُحسب أعياد الخطاة، وأما عندما يعدها الرب فتُدعى أعياد الرب. الآن فإن الفصح هو أحد الأعياد. جاء في نص الإنجيل الذي أمامنا أنه ليس للرب بل فصح اليهود. بينما جاء في موضع آخر من الكتاب المقدس: "مواسم (أعياد) الرب" التي فيها تنادون محافل مقدسة هذه هي مواسمي (لا ٢٣: ٢)[359]

العلامة أوريجينوس

أورد الازائيون هذا الحدث في الأسبوع الأخير من حياة السيد المسيح على الأرض حين صعد إلى أورشليم، مما عجّل بالأحداث ليُحاكم ويصلب. فقد حسبه القادة في الهيكل إهانة لهم وللهيكل المقدس. أما القديس يوحنا فجعل هذا الحدث في بداية رسالة ربنا يسوع العامة ليؤكد لهم أنه هو الهيكل الجديد الذي يحتل مركز الهيكل القديم، وأنه الذبيحة الفريدة التي تحتل مركز الذبائح الدموية الحيوانية، لذا طرد البقر والغنم مع الباعة[360]. ويرى كثير من الدارسين أن السيد المسيح قام بتطهير الهيكل مرتين: المرة الأولى في الفصح الأول من بدء خدمته كما ورد هنا في إنجيل يوحنا. والمرة الثانية في الفصح الأخير أو الرابع الذي فيه صلب السيد المسيح (مت ١٢:١٢؛ مر ١١: ١٥؛ لو ١٩: ٤٥). وكأن تطهير بيت الرب هو عمل المسيح الأول والأخير، لذلك بدأ خدمته في الهيكل وأنهاها به. وقد سبق أن تنبأ ملاخي النبي عن هذا العمل (ملا ٣: ٢– ٣).

وجد السيد سوقًا في إحدى مباني الهيكل يدعى دار الأمم. كانوا يبيعون فيه الثيران والغنم والحمام لتقديم ذبائح. وكان هذا الموضع بجوار بركة بيت حسدا (يو ٥: ٢). استخدمها رؤساء الكهنة ومن معهم من أجل الربح المادي، حيث تقدم شهادات بأن الذبيحة بلا عيب مقابل دفع رسم معين. وهكذا أفسدت محبة المال نقاوة العبادة (١ تي ٦: ٥، ١٠). كما وجدت المصارف لبيع شواقل الذهب الخاصة بالهيكل لتقديمها.

بلا شك رأى السيد المسيح هذا المنظر قبلاً حين كان يأتي إلى الهيكل، خاصة حين حاور المعلمين وهو في الثانية عشر من عمره، لكنه لم يقم بتطهير الهيكل إلا بعد أن بدأ خدمته العلنية. كما لم يشكوا الأمر إلى رؤساء الكهنة إذ يعلم أن ما يحدث هو بسماحٍ منهم أو بتشجيعهم.

باعة الغنم هم الذين يحوّلون خلاص المسيح، حمل اللَّه، إلى تجارة، فيقتنون أمرًا زمنيًا عوض الخلاص الأبدي، ويطلبون ما هو أرضي عوض السماوي.

v حقًا يقول اللَّه عنهم: "رعاة كثيرون أفسدوا كرمي، داسوا نصيبي، جعلوا نصيبي المشتهى برية خربة، جعلوه خرابًا" (إر10:12-11). لأنه حقًا قد فسد كرم الرب، إذ قد تعلموا أن يدوسوا على العبادة الإلهية نفسها، وعن طريق الحب الدنيء للربح عند أولئك الذين أقيموا عليه فإن (الكرم) تُرك عاريًا لكل جهالة.

القديس كيرلس الكبير

v من هم الذين يبيعون الغنم والحمام؟

هؤلاء الذين يطلبون ما لذواتهم في الكنيسة لا ما للمسيح. يحسبون كل شيء موضوع بيع بينما لا يخلصون. إنهم لا يطلبون أن يُشتروا بل يطلبوا أن يبيعوا. نعم كان الأفضل لهم أن يخلصوا بدم المسيح، ويأتوا إلى سلام المسيح. الآن ما المنفعة أن يطلبوا في هذا العالم أمرًا مؤقتًا زائلاً أيّا كان هذا الأمر، سواء مالاً أو لذة طعام، أو كرامة تنبع عن مديح الناس؟ أليس هذا كله ريحًا ودخانًا؟ ألا يعبر هذا كله ويهرب؟... من يطلب هذه الأمور يا اخوتي إنما يبيعون[361].

القديس أغسطينوس

يرى القديس أغسطينوس أن الثيران تشير إلى الرسل (1 كو 9:9-10)، فمن يتاجر في الثيران إنما كمن يرتبط بالرسول دون صاحبه (السيد المسيح)، لهذا وبّخ القديس بولس أهل كورنثوس قائلاً: "ألعل بولس صلب لأجلكم؟ أم باسم بولس اعتمدتم؟" (1 كو 1: 13). "أنا غرست وأبولس سقى، لكن اللَّه كان يُنمي" (1كو3: 6-7). [ليقول الراغبون في سلام خادمه: ليتمجد الرب![362]]

الذين يتاجرون في الثيران هم الذين يقدمون تعليم الكلمة كمن يحرث في حقل المسيح، لا للتمتع بثمر الروح، وإنما لأجل منفعة زمنية. هؤلاء يقول عنهم الرسول بولس: "عن تحزب ينادون بالمسيح لا عن إخلاص" (في1: 16).

الذين يتاجرون في الأغنام هم الذين يقدمون أعمال الرحمة (الملابس الصوفية واللحوم) من أجل المديح الزمني، هؤلاء الذين يأخذون أجرهم في العالم (مت 6: 5).

والذين يبيعون الحمام هم الذين يسيئون استخدام مواهب الروح القدس الذي ظهر على شكل حمامة، مثل السيمونية في سيامة الكهنوت. فقد أراد سيمون أن يقتني بالفضة مواهب الروح القدس لكي يبيعها، فينال مكاسب مادية أو كرامات زمنية عوض العمل الروحي (أع 8: 19-20).

v إنه لا يسمح لعبيد المال أن يكونوا في هيكله، ولا لمن يبيعوا الكراسي. ما هي هذه الكراسي إلا الكرامات؟ ما هو الحمام إلا البسطاء في الذهن والنفوس الذين يتبعون إيمانًا واضحًا؟ هل أُحضر إلى هيكله من يغلق المسيح الباب في وجهه، إذ من يبيع الكرامات والمناصب يلزم أن يُؤمر بالخروج. يلزم الأمر بالخروج لمن يبيع أصحاب العقول البسيطة من المؤمنين[363].

القديس أمبروسيوس

v يشير البقر إلى الأمور الزمنية، إذ تعمل (في حرث) الأرض. ويرمز الغنم إلى الأمور البهيمية غير العاقلة حيث أن الغنم أكثر الحيوانات غير العاقلة المُستعبدة. ويرمز الحمام إلى عدم ثبات الأفكار وبطلانها، والعملات تشير إلى ما نظنه أمورًا صالحة[364].

v يلزم نزع هذه الأمور البهيمية والتجارية عن هذا الهيكل الذي هو جسد المسيح، فلا يكون بعد بيت تجارة[365]


أيضًا يلزم أن يُنقض هذا الهيكل بواسطة أولئك الذين يخططون ضد كلمة الله، وبعد نقضه يقوم في اليوم الثالث ... كل شخص أيضًا إذ يطهره يسوع ينزع الأمور البهيمية والارتباك بالتجارة سيتحطم بسبب غيرة الكلمة التي فيه، ويقوم في اليوم الثالث بواسطة يسوع .... يُقام بناء الهيكل في اليوم الأول بعد نقضه، وفي اليوم الثاني، ويتم البناء في كمال الثلاثة أيام حيث تتحقق القيامة وستكون قيامة إن كنا ندفن مع المسيح ونقوم معه (رو ٦: ٤)[366]

العلامة أوريجينوس

"فصنع سوطًا من حبال،

وطرد الجميع من الهيكل،

الغنم والبقر،

وكب دراهم الصيارف، وقلب موائدهم". [15]

يبدو أنه لم يطرد الباعة ولا الصيارفة إنما طرد البقر والغنم والحمام، وألقى بدراهم الصيارفة وقلب موائدهم. لقد جاء لا ليدين بل ليطهر ويقدس. جاء ليصلح من الفساد. إن نفسًا واحدة في نظر السيد المسيح أثمن من كل هذه الحيوانات وهذا الذهب والمال.

v يظهر مشاعره ليس بمجرد الكلمات بل بالحبال وبالسوط يطردهم من المواضع المقدسة، وبالعدل يطبق عليهم العقوبة المناسبة للعبيد، لأنهم لا يقبلون الابن الذي يجعل الإنسان حرًا بالإيمان.

v بحق أولئك الذين يكرمون الخدمات الناموسية بعد إعلان الحق أن يعرفوا أنه بالعودة إلى روح العبودية ورفض التمتع بالحرية يستحقون الخضوع للضربات وعذابات العبودية[367].

v سيطرد اليهود العصاة من الأماكن المقدسة، ويجعلهم خارج حظيرة القديسين المقدسة. بل حتى حينما يقدمون ذبائح لن يقبلها، بل بالأحرى يخضعهم للعقاب والسوط، ممسكين بحبال خطاياهم (راجع أم 22:5).

القديس كيرلس الكبير

"وقال لباعة الحمام:

ارفعوا هذه من ههنا،

لا تجعلوا بيتأبي بيت تجارة". [16]

صعد يسوع إلى أورشليم ليطهر هيكل أبيه الذي تحول إلى بيت تجارة، وها هو يصعد على الدوام إلى أورشليمنا الداخلية، إلى أعماقنا، ليقيم منها هيكلاً سماويًا مقدسًا للآب، يطهره من كل تجارة وفساد.

v قال: "لا تجعلوا بيت أبي"، ولم يقل "بيت أبينا"، لأنه حسب هذا القول أكثر مناسبة... حيث أن الكلمة يعرف أنه من جوهر اللَّه الآب وليس في عداد أولئك الذين هم أبناء بالنعمة. لذلك فهو يفصل نفسه عن الباقين، ويدعو اللَّه أباه.

القديس كيرلس الكبير

v إننا لا نسكت علىالهراطقة الذين يفصلون العهد القديم عن الجديد.إنما نؤمن بالمسيح القائل عن الهيكل:"أما تعلماأنه ينبغيأنأكون في بيت أبى؟[368]". وأيضًا:"ارفعوا هذه من ههنا، لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة". هنا يعترف بأكثر وضوحأن الهيكل السابق في أورشليم هو بيتأبيه[369]

القديس كيرلس الأورشليمي

v لم يقل المسيح لا تجعلوا البيت المقدس لكنه قال:" لا تجعلوا بيت أبي"، فها هو يدعو الله أباه. لم يغتاظوا منه لأنهم ظنوه يقول هذا القول على بسيط ذات القول، لكنه لما تكلم بهذا القول فيما بعد أفصح أنه تكلم مريدًا أن يبين معادلته لأبيه، حينئذ اغتاظوا منه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فتذكر تلاميذهأنه مكتوب:

غيرة بيتك أكلتني". [17]

بدأ التلاميذ يدركون ما وراء تصرفات السيد المسيح، متذكرين ما ورد في الكتاب المقدس. فإنه في كلمة الله كل يفسر الآخر ويوضحه. تذكروا ما هو مكتوب في مز ٦٩: ٩.

حقًا غيرة بيت الآب أي الكنيسة قد التهبت في قلب يسوع المسيح الذي أحبها وأسلم نفسه لأجلها، لكي يهبها الحياة الأبدية فتشاركه مجده.

v "غيرة بيتك أكلتني" [17]... يعرف كل واحد منكم ما يفعله في بيته ومع أصدقائه وفي مسكنه، ومع عمله، مع الأعظم منه ومن هو أقل منه، قدر ما يسمح للَّه بالدخول، إذ يفتح الباب لكلمته التي لا تتوقف عن أن تربح أحدًا للمسيح، فقد رُبحت أنت بواسطة المسيح[370].

القديس أغسطينوس

v الرب نفسه يقول: "غيرة بيتك أكلتني". ليته يكون لنا غيرة للرب حقيقة، أعني ليست غيرة أرضية، إذ هذه تسبب حسدًا. ليحل السلام بينكم، هذا الذي يفوق كل فهم، ليحب الواحد الآخر. ليس شيء أعذب من الحب، ولا شيء أكثر تطويبًا من السلام. أنتم تعلمون إني أحبكم على الدوام، والآن أحبكم فوق الكل. كأبناء لأبٍ واحدٍ صرتم متحدين تحت رباط الحب الأخوي[371].

القديس أمبروسيوس
3. طلب آية

"فأجاب اليهود وقالوا له:

أيةآية ترينا حتى تفعل هذا؟" [18]

إذ قام السيد المسيح بتطهير الهيكل بسلطانٍ لم تستطع القيادات أن تقاومه أمام الشعب. لقد أرادوا إبراز اهتمامهم الشديد بالهيكل وكل ما يدور فيه، فعوض الاعتراف بما حلَّ في الهيكل من فساد بسبب التجارة فيه سألوه: "أية آية ترينا حتى تفعل هذا؟"إذ توجعوا لما انقطع ربحهم المستقبح عنهم، أرادوا بهذا السؤال أن يمنعوه عما يفعله معهم.

حين جاء موسى ليخلص شعب الله من عبودية فرعون صنع آيات واضحة، فما هي الآيات التي يفعلها يسوع ليقبلوه أنه جاء من عند الله. لم تدرك القيادات أنه وهو أعزل من أي سلطان بشري أو مركز ديني رسمي أو سلاح بسلطان إلهي طهر الهيكل دون مقاومة. حضوره الإلهي بدد الظلمة.

v إن كان ذلك قد أُخفي عن اليهود، فلأنهم وقفوا خارجًا، وأما بالنسبة لنا فقد كُشف لأننا نعلم بمن نؤمن. سنحتفل بنَقْض ذاك الهيكل قريبًا في الاحتفال السنوي المهيب، والذي نحثكم أن تستعدوا له، حيث تنالون نعمة كموعوظين[372].

القديس أغسطينوس

v لم يستطع قادة اليهود أن يوبّخوه... لكنهم اخترعوا طرقًا لتأخير هروب التجار، ملتمسين العذر لأنفسهم بأنهم لم يخضعوا له فورًا أو بدون بحث لكي يقبلوه كابن اللَّه دون أن يهبهم آية.

القديس كيرلس الكبير

v وحسرتاه علي جنونهم المطبق! هل توجد حاجة إلي علامة قبل أن يتمكنوا من الكف عن أفعالهم الشريرة، ويحرروا بيت الله من مثل هذا العار؟ أليست أعظم آية لسموه أن تكون له مثل هذه الغيرة علي ذاك البيت؟ لقد تميز موقف التلاميذ اللائق إذ تذكروا "أنه مكتوب: "غيرة بيتك أكلتني" [17]. أما اليهود فلم يتذكروا النبوة، فقالوا: "أية آية ترينا؟" متوقعين بذلك أن يوقفوه، راغبين في تحديه بصنع معجزة، ليجدوا علة عليه[373]

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أجاب يسوع وقال لهم:

انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه". [19]

الآية التي قدمها السيد المسيح هي حضوره الإلهي القادر أن يكسر متاريس الهاوية، ويحطم سلطان آخر عدو وهو الموت، ليهب مؤمنيه قوة القيامة. قدم لهم آخر آية يصنعها يسوع المسيح نفسه قبل صعوده إلى السماء وهي قيامته. يجب أن يموت، لكن لا يستطيع الفساد أن يحل به (مز ١٦: ١٠).

طلب منهم أن ينقضوا هيكل جسده حيث يرفعوه على الصليب، أما هم فظنوا أنه يتحدث عن الهيكل الحجري.

v حسنًا دُعي حرًا ذاك الذي له سلطان أن يقيم نفسه... وحسنًا دُعي حرًا ذاك الذي نزل لكي يخلص الآخرين[374].

القديس أمبروسيوس

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

انثى العذراء عدد المساهمات : 479
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 06/09/1982
تاريخ التسجيل : 06/09/2010
العمر : 36
الموقع الموقع : ttp://spring-net.7olm.org

مُساهمةموضوع: رد: تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى   الخميس أكتوبر 07, 2010 3:32 am

"فقال اليهود:

في ست وأربعين سنة بُني هذا الهيكل،

أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه؟" [20]

بني الهيكل في 46 عامًا، ويرى البعض أنه قد بدأ في أيام هيرودس حوالي عام 20/19 ق.م. فيكون قد انتهى البناء منه في حوالي 28م. ويرى آخرون أنه قد بدأإعادة بنائه هيرودس الكبير في السنة الثامنة عشر من ملكه[375] وانتهي من العمل الرئيسي في تسع سنوات ونصف لكن تمت إصلاحات وإضافات للمبنى استمرت إلى سنوات طويلة. بدأ هيرودس العمل في السنة ١٦ قبل ميلاد السيد، والحديث هنا في السنة الثلاثين من ميلاده. فكان عمر المبنى القائم ٤٦ عامًا. وقد استمر البناء بعد ذلك. موضحًا بذلك البناء الأخير للهيكل لأن بناءه الأول كمل على مدى عشرين سنة. وكأنه مع بداية خدمة المسيح كان اليهود في أكثر لحظات اعتزازهم بالهيكل المبني حديثًا. فلم يكن من السهل قبول كلمات السيد المسيح الخاصة بهدمه في ثلاثة أيام.

نفس المدة أيضًا استغرق فيها بناء الهيكل حين وضع زرُبابل أساسات الهيكل في السنة الثانية من مُلك كورش إلى إتمام البناء في السنة ٣٢ من ملك ارتحشستاArtaxerxes.

v إنهم يهزأون بالآية، إذ لم يعرفوا عمق السرّ، بل يتمسكون بمرض جهلهم كعذرٍ معقول يبررون به عدم طاعتهم له... كيف يكون عاجزًا عن إتمام أي شيء مهما كان، وهو الذي في ستة أيام كوّن العالم كله بقوة تفوق التعبير، وقوته كائنة في مشيئته فقط؟

القديس كيرلس الكبير

في تفسيره الرمزي لرقم 46 يرى القديس أغسطينوس أن الأربعة حروف لآدمAdam هي الحروف الأولى لكل اتجاهات العالم: الشرقAnatole والغربDysis والشمالArctos والجنوبMesembria (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وكأن آدم قد انشق وتبعثر في كل اتجاهات العالم. هذه الحروف في اليونانية لآدم (ِAdam)تعادل رقم 46. حيث ألفاA (ِA)تعادل رقم 1، ودلتاD (D) تعادل رقم 4، وميّM (M) تعادل رقم 40. فكلمة آدم تعادل 1+4+1+40=46. هذا هو الهيكل أو الجسد الذي أخذه الكلمة من آدم فنقضه ليقيمه في ثلاثة أيام ليتمتع بالأبدية، إذ أقامه الآب بإرادته والابن بقوته، والروح القدس بكونه روح القيامة[376].

"وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده". [21]

لقد أظهروا جهلهم لمعنى كلمات السيد المسيح، إذ كان يعني بكلماته هيكل جسده. هذا وهل يصعب على الخالق أن يقيم حتى الهيكل الحجري في ثلاثة أيام؟

كما احتل الخمر المسياني الجديد عوض ماء التطهيرات الذي للناموس، هكذا يحتل هيكل جسد المسيح القائم من الأموات موضع هيكل العهد القديم الذي دمره جيش تيطس الروماني سنة 70م. لقد أقام السيد المسيح له هيكلاً جديدًا في داخلنا لا تقدر جيوش العالم أن تحطمه (1 كو 6: 19).

تحقق هذا القول بموت المسيح وقيامته في اليوم الثالث، ولا يزال يتحقق في جسده الذي هو الكنيسة، وفي كل مؤمن كعضوٍ في جسد المسيح.

v ولقائل أن يقول: فلأجل أي غرض لم يشرح المسيح قوله الغامض هذا، إذ أنه لا يقول عن هذا الهيكل لكنه يقول عن هيكل جسده؟ فنجيبه: لقد صمت المسيح عن إيضاح ذلك، لأنه لو قال موضحًا لما قبلوا قوله، لأنه إن كان تلاميذه لم يكن فيهم كفاية، ولا عرفوا كيف يفهمون ما قيل لهم، فقد كان أولى بالجموع وأليق ألا يفهموا معنى ما يقول.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا،

فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع". [22]

كثير من النبوات لا يمكن إدراكها إلاَّ بعد إتمامها. هكذا لم يستطع حتى التلاميذ أن يدركوا ما قاله في ذلك الحين إذ كانوا لا يزالوا أطفالاً في المعرفة. عند قيامته فتح أذهانهم ليفهموا الكتب، وألهب قلوبهم بالمعرفة الصادقة للنبوات (لو ٢٤: ٤٥).ل قد كانوا بطيئي القلوب في الإيمان (لو ٢٤: ٢٥)، لكنهم كانوا في يقين بأن كلماته صادقة.

v ذكَّر الروح القدس التلاميذ ما سبق وقاله المسيح لهم، لأنهم تمسكوا بالموهبة وأظهروا حياة نيرة وحكمة كثيرة وأتعابًا عظيمة وما احتسبوا البركات الإنسانية شيئًا البتة، لكنهم صاروا أعلى منها، وكانت صورتهم صورة نسور طائرة إلى الأعالي بأعمالهم (بالنعمة) ووصلوا إلى السماء عينها، وبها امتلكوا نعمة الروح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولما كان في أورشليم في عيد الفصحآمن كثيرون باسمه،

إذ رأوا الآيات التي صنع". [23]

"لكن يسوع لم يأتمنهم على نفسه،

لأنه كان يعرف الجميع". [24]

لقد آمنوا به أنه المسيا المنتظر، لكنهم لم يدركوا أنه مخلص العالم، بل ظنوه ملكًا على إسرائيل، ينقذهم من الاستعمار، ويهبهم سلطانًا زمنيًا. لم يدركوا أنه مخلص نفوسهم، فلم تتغير قلوبهم، لهذا لم يأتمنهم يسوع على نفسه.

يميز العلامة أوريجينوس بين الذين يؤمنون بيسوع المسيح والذين يؤمنون باسمه (فقط). إنه لم يأتمن الذين آمنوا باسمه فقط وليس الذين آمنوا به.

v لقد كان التلاميذ أبلغ استقصاء في إيمانهم، لأنهم لم يتقدموا إلى المسيح بسبب آياته فقط لكنهم تبادروا إليه بسبب تعليمه، لأن الآيات جذبت الذين كانوا أكثف عقولاً من غيرهم، إذ أن جميع الذين اقتنصهم تعليمه كانوا أثبت عزمًا من الذين اجتذبتهم آياته. ويدعوهم المسيح "مطوبين" قائلاً: "طوبى للذين آمنوا ولم يروا" (يو 20: 29).

أما هؤلاء المذكورون هنا فلم يكونوا تلاميذ حقيقيين. هذا ما تظهره العبارة التالية، إذ قيل: "لم يكن يسوع يأتمنهم علي نفسه" [24]. لماذا؟ "لأنه كان يعرف كل شيء"[377].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v يليق بنا أن نلتصق به أكثر من التصاقنا باسمه، عندما نصنع عجائب باسمه، فلا نسمع الكلمات التي قيلت عن المفتخرين باسمه فقط (مت ٧: ٢٢ – ٢٣)، لكن إذ نتمثل ببولس تكون لنا الشجاعة أن نقول: "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني" ْفي ٤: ١٣)[378]

العلامة أوريجينوس

v لم يأتمن حديثي الإيمان على نفسه... من هذا فليتعلم وكلاء أسرار المخلص ألا يدخلوا إنسانًا فجأة داخل الحجب المقدسة، ولا يسمحوا للمبتدئين الذين اعتمدوا قبل الأوان ولم يؤمنوا بالمسيح رب الكل في الوقت المناسب أن يقربوا من الموائد الإلهية.

v إن كان اللَّه وحده يعرف دائمًا ما فينا، والمسيح أيضًا يعرفه، فكيف لا يكون هو اللَّه بالطبيعة؟

القديس كيرلس الكبير

إنه يعلم ما في الإنسان لأنه خالق الكل (يو ١: ٣)، الكلي الحكمة (يو ٢: ١)، وفاحص القلوب والكلى.

"ولأنه لم يكن محتاجًا أن يشهد أحد عن الإنسان،

لأنه علم ما كان في الإنسان". [25]

v إن الخاصية العارفة له في قلوب الناس هي خاصية الإله الذي أبدع قلوبهم، لأن سليمان الحكيم قال في صلاته للرب: "فاسمع أنت من السماء مكان سكناك واغفر واعمل وأعطِ كل إنسان حسب كل طرقه كما تعرف قلبه، لأنك أنت وحدك قد عرفت قلوب كل بني البشر" (1 مل 8: 39)، لذلك لم يكن المسيح محتاجًًا إلى شهود حتى يعرف نية خلائقه، لكنه عرف خفاياهم كلها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v يمكن فهم العبارة: "لأنه علم ما كان في الإنسان" [٢٥] بخصوص القوات الشريرة والصالحة التي تعمل في البشر، فإن أعطي إنسان مكانًا لإبليس (أف ٤: ٢٧) يدخل الشيطان فيه، كما أعطى يهوذا للشيطان موضعًا في قلبه لكي يخون يسوع... وإن أعطى الشخص موضعًا لله يصير مطوّبًا. إذ "طوبى لمن كان عونه من الله، والمصاعد في قلبه من الله" (راجع مز ٨٤: ٦). ابن الله العارف بكل الأشياء، يعرف ما كان في الإنسان[379]

العلامة أوريجينوس


من وحي يو2
حضورك يجعل حياتي عرسًا لا ينقطع!



v حضورك يحوّل حياتي إلى عرس دائم.

حضورك يجلب أمك وتلاميذك ومحبيك معك!

تعال، هوذا العُرس معد!

تعال، ليس من يفرح قلبي غيرك!



v حوَّلت ماء التطهير إلى خمرٍ جديدٍ.

عِوض وصايا الناموس الحرفية التي تثقل كاهلي،

تهبني خمر الإنجيل الذي يفرح قلبي!

لأسكر بحبك وأعشق سماواتك،

فلا يكون للعالم موضع في داخلي!



v هب لي بروحك الناري أن أنصت إلى صوت أكثر:

مهما قال لكم فأفعلوه!

طاعتي لك تفرح قلبها وقلوب كل محبيك.

صلواتها وشفاعتنها تسندني،

فأسلك بروح الطاعة لوصيتك.



v لتدخل إلى أعماقي، فتقدسها هيكلاً لك:

لتطرد كل غنمٍ وبقر منهاٍ،

فلا يكون لروح الربح القبيح موضع فيّ.

لأسلك بروحك القدوس،

فيكون لي عينا حمامة وديعة.

لتسكب كل محبة للدراهم من مائدة نفسي!



v هب لي روح الغيرة على بيتك،

فيلتهب قلبي بالطهارة الداخلية عوض الانشغال بإدانة الآخرين.

وانشغل بسكناك فيّ عوض الانشغال بالغير.



v أقام اليهود الهيكل القديم في 46 عامًا،

وها أنت أقمت هيكل جسدك من القبر في ثلاثة أيام.

في ثلاثة أيام أقمت كنيستك عروسًا سماوية.

لم يعد موضعنا ظلمة القبر،

بل بهاء سمائك الفائق!


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://spring-net.7olm.org
 
تفسير انجيل يوحنا كتابيا كاملا للقمص تادرس يعقوب ملطى
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 3انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات النبع الصافى :: المنتدى الكنسى :: منتدى الكتاب المقدس :: العهد الجديد-
انتقل الى: